الجمعة، 16 ديسمبر 2011

بدية تحتفي بصدور كتاب "الشيبة أبو بشير محمد بن عبدالله السالمي"



احتفت ولاية بدية بصدور كتاب في سيرة علم كبير من أعلامها التاريخيين و علمائها المهمين وذلك بنشر كتاب " الشيبة أبو بشير محمد بن عبدالله السالمي" لمؤلفه الدكتور محسن بن حمود الكندي ، مدير مركز الدراسات العمانية بجامعة السلطان قابوس ، حيث انعقد لقاء بتنظيم من نادي بدية ممثلا بلجنته الثقافية و فريق الواصل ، و ذلك في قاعة المحاضرات بدائرة الخدمات الصحية بالولاية ، و قد اشتمل اللقاء على محاضرة ألقاها المؤلف الدكتور محسن بن حمود الكندي تطرق فيها إلى أهمية شخصية الشيخ محمد السالمي "الشيبة"  و دوره  المحوري في الأحداث السياسية و الاجتماعية منذ عشرينيات القرن الماضي و في خمسيناته و ستيناته على وجه الخصوص ، كما تطرق إلى جهوده العلمية و مؤلفاته ، و علاقاته الواسعة بمعاصريه من العلماء و الزعماء و الأئمة و الشيوخ ، داخل السلطنة و خارجها ، و اتصاله بالخط الفكري لوالده الشيخ نور الدين السالمي ، و مناطق التقائه معه في المسار الفكري و السياسي ، و مدى اتفاقه معه في نهجه الإصلاحي الاجتماعي  ، و نقاط اختلافه و إضافاته التي قدمها سواء في تأليفه لكتاب "نهضة الأعيان" ، أو في انفتاحه على آفاق الثقافة العربية و اتصاله بأعلامها المرموقين ، و تواصله مع المستشرقين الباحثين في التأريخ و الثقافة العمانية.
 كما ركز المؤلف في قراءته للكتاب على نتائج الدراسة و خلاصاتها ، و قد تداول الحضور نقاشاً موسعاً مع المؤلف حول محتويات الكتاب و محاور  شخصية الشيبة السياسية و العلمية و الإنسانية ، حيث استعرض الحوار علاقاته الاجتماعية و العلمية بعدد من الشخصيات المعاصرة له كالإمام سالم بن راشد الخروصي و الإمام محمد بن عبدالله الخليلي و الشيخ ابراهيم بن سعيد العبري و الشيخ أبي الوليد سعود بن حميد و الشيخ عبدالله بن علي الخليلي و الشيخ سالم بن حمد الحارثي و غيرهم من الأعلام و الشخصيات ، و استعرض بعض مواقفه السياسية و الفكرية من الأحداث و الشخصيات المعاصرة له، و مدى اتفاقه و اختلافه معها و الأدوار و المهام التي قام بها داخل عمان و خارجها.
كما ركز الحوار على ارتباط الشيبة محمد بن عبدالله السالمي بولاية بدية، و تأثير وجوده بها على جهده العلمي و الأدبي ، و على أدواره الاجتماعية و الوطنية ، و جوانب من البعد الإنساني الأبوي لشخصية "الشيبة" ، و علاقاته المتجذرة بمشايخها و علمائها و أعيانها كالشيخ القاضي راشد بن حمد الحجري و الشيخ القاضي سعود بن عامر المالكي و الشيخ علي بن ناصر الغسيني و الشيخ حمدان بن سالم الحجري و غيرهم من أقرانه و معاصريه ، و كذلك ما قام به جهود اجتماعية و علمية كتأسيسه لمكتبة السالمي في الثمانينيات و غيرها من المشروعات ، كما تطرق النقاش إلى الأهمية النوعية لدارسة تاريخ الشخصيات و سيرهم الذاتية من حيث تجاوزها للتأريخ لشخص إلى التأريخ لمرحلة أو جيل خاصة عند دراسة شخصية مؤثرة و متشعبة الاهتمامات و واسعة العلاقات كالشيبة ، حيث تمثل دراسة هذه الشخصيات توثيقاً لذاكرة الوطن و أعلامه الذين يمثلون صناعاً للأحداث التاريخية أو شهوداً عليها ، كما تطرق الحوار إلى الصعوبات التي واجهها الباحث أثناء تأليفه للكتاب و رحلة البحث الشاقة و المضنية التي استمرت أكثر من أربع سنوات.
كما توسع النقاش إلى أهمية تدوين التاريخ المحلي في الولايات و استثمار كل ما هو متاح من أدوات لأجل حفظ مصادر المعلومات التاريخية ، و قد حضر اللقاء عدد كبير من المهتمين و الباحثين من أبناء ولاية بدية الذين شاركوا في مداولات اللقاء و حواراته ، و قد أدار اللقاء الكاتب و الباحث محمد بن سعيد الحجري.
الجدير بالذكر أن كتاب "الشيبة أبو بشير محمد بن عبدالله السالمي" قد صدر في أربعة أجزاء عن دار رياض نجيب الريس اللبنانية ، و قد خصص المؤلف الدكتور محسن الكندي الجزء الأول لسيرة حياة "الشيبة" أما الجزءان الثالث و الرابع فقد خصصهما للوثائق و المراسلات ، بينما خصص الجزء الرابع للأدبيات و الصور ، هذا و من المنتظر أن ينشر الباحث جزءاً خامساً لمزيد من الوثائق التي عثر عليها بعد نشر الأجزاء الأربعة من الكتاب.

الجمعة، 9 ديسمبر 2011

رأي نشر في جريدة الرؤية ضمن تحقيق حول موضوع مكافحة الفساد.. جريدة الرؤية 3/12/ 2011م

حول مكافحة الفساد

واحدة من أهم فقرات خطاب صاحب الجلالة في مجلس عمان تلك التي تطرق فيها إلى مكافحة الفساد ، و هي قضية يتفق الجميع على أنها محط اهتمام و متابعة ، فالفساد الذي يطال العمل الوظيفي هو أمر وارد و يمكن أن يرافق أي عمل وظيفي يتعلق بالأموال العامة أو الوظائف العامة و دعونا هنا نتذكر تحذير القرآن الكريم منه و من بعض صوره حين يقول " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون " و الحديث الشريف نص على ذلك أيضاً حين شدد على تحريم الغلول " الاختلاس" و تحريم الرشوة في أكثر من نص ، و من أشهرها ما أنكره رسول الله صلى الله عليه و سلم على موظف هو "جابي الزكاة"حين قبل هدية من قوم بعث إليهم ليجبي زكاتهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم على رؤس الأشهاد " ما بال عامل أبعثه فيقول هذا لكم ، وهذا أهدي لي ، أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا! ، والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه... "  ثم يعلن كما في كلا أمر مهم عام "اللهم هل بلغت"
و من الملاحظ أن الخطاب السامي لم يحمل الأجهزة الرقابية بمختلف أصنافها و أولها مجلس الشورى و جهاز الرقابة المالية و الإدارية للدولة و الأجهزة الأمنية مسؤلية ملاحقة الفساد فحسب ، بل كلفها أن تسد كل الثغرات التي يمكن أن توصل إليه قبل أن يحدث "بعزيمة لا تلين تحت مظلة القانون" كما نص الخطاب في حسم و تشديد ، و هذا يعني أن المعالجة الاستباقية و وضع الأطر الوقائية هو المقدم ، ذلك لأن الفساد حين يقع فإنه لا يضر بالمال العام فحسب ، بل هو يضرب القيم أي قيم العمل الوطني ، قيم النزاهة و العدالة و المساواة و تكافؤ الفرص، إضافة إلى أنه يهدر المقدرات و يمهد لاستئثار القلة بها ، و إذا كانت المعالجات العقابية تصنع الردع و تميز الخبيث من الطيب ، فإنها إنها قد لا تتمكن دائما من استرداد الموارد التي طالها الفساد ، حيث إن الفساد لم يعد عملاً قطريا كما هو معلوم ، بل هو أمر عابر للأقطار و الحدود ، و ترعى شبكاته لوبيات و كورتيلات عالمية ، و ترحب بمنجاته أقطار يقوم اقتصادها على تبييض أمواله.
و التأكيد على سد المنافذ ينبه إلى قدرة الفساد و أربابه على ابتكار طرق و ابتداع أساليب الفساد و السعي الدائم للتسرب عبر شقوق القوانين ، وهذا يستلزم دائماً يقظة عالية و حساً وطنياً منتبهاً .
 و حتى لو قدر أن يُسترد جزء من الموارد العامة المختلسة أو المنهوبة ، فإن الضرر يبقى فادحاً بقيم النزاهة و العدالة و المساواة التي تقوض و تتضرر ، هذا إضافة إلى "متوالية الفساد" أو حلقة الفساد التي يصنعها أي فساد خاصة حين يكون في المستويات العليا من الوظائف العامة ، حيث يبرر الفسادُ فيها الفسادَ في المستويات السفلى ، و أخطر ما تتعرض له الأوطان و مواردها و أنظمتها الإدارية هو تحول الفساد إلى قاعدة للعمل حين يتجاوز الفساد حدود الشذوذ و المخالفة و التجاوزات على الأنظمة إلى أن يكون هو نظام العمل و قاعدته ، و الأمثلة وافرة على بلدان اختطفتها "كورتيلات" الفساد و لوبياته التي ارتدت أثواباً كثيرة بعضها يتدثر بالنبل ، لكنها في النهاية لم تستول على الموارد المالية فحسب بل دمرت الأنظمة الإدارية و أوصلت بلدانها إلى انسدادات تجعل المال و الثروة و النفوذ حكراً على قلة تستأثر بكل شيء.

إذن الخطاب في لغة صارمة جازمة يحذر من ترك أي ثغرة ينفذ منها الفساد ، و يضع الأجهزة الرقابية أمام مسؤوليتها الوطنية في ملاحقته بأي شكل من أشكاله و صوره ، و يأمرها أن يقوم بواجبها "بعزيمة لا تلين تحت مظلة القانون" و الخطاب أيضاً ينص في ذات السياق و في ذات الفقرة على مبدأ العدالة و دعم الأجهزة القضائية و توطيد استقلاليتها و النص على أن "الكل سواسية أمام القانون"  بلا محاباة أو مجاملة ، و إذا نظرنا إلى مستهل هذا السياق نجده يشدد على مبدأ أن العمل الحكومي "تكليف و مسؤولية" يؤدى بأمانة تامة بعيدا عن المصالح الشخصية ، و في هذا السياق دعونا نتذكر أن كل مسؤول سواء كان وزيراً أو عضواً في مجلس عمان أو من أعضاء السلك القضائي أو العسكري يؤدي قسماً يقسم فيه بالله العظيم ينص على مراعاة الوطن و المواطن و احترام قوانين الدولة و حماية مصالح المواطنين و الصالح العام ، و نحن اليوم إذ نستشرف أفقاً جديداً و مرحلة جديدة من العمل الوطني انضمت فيه إلى مصاف المسؤولية العليا كوكبة من الكفاءات الذين نتمنى لهم التوفيق و العون ، و جدد القسم آخرون ممن سبقوا إلى تحمل المسؤولية التي ينص الخطاب السامي على أنها "تكليف و مسؤولية" ، نؤمن جميعاً أن القسم ليس إجراءاً شكلياً إجرائيا بل هو لحظة الصدق مع الله و الوطن و القائد ، و الوفاء بما جاء في ثنايا هذا القسم هو أمر يرقبه الله و الوطن و القائد و التاريخ و الناس شهود الله في أرضه ، و الوفاء بهذه المسؤولية التي تمنع الفساد و تسد منافذه لا تقتضي صيانة المال العام من الاختلاس و الرشوة و غيرهما فحسب ، بل أيضا حفظها من سوء الإنفاق و هدر المال العام حتى و لو كان مغطى قانونياً ، لكن خطأ القرار و الاستخفاف بالموارد العامة الذي يؤدي إلى الهدر هو شكل من أشكال الفساد ، و بعض أشكال الفساد أخذت طابعاً تأقلم عليه البعض ، حيث استمرأ البعض محاباة الأصدقاء في المواقع الوظيفية على حساب الكفاءة ، و في مهام العمل المدفوعة الكلفة داخلياً و خارجياً ، و أنشأ البعض مجموعات خاصة بهم أضرت ضرراً فادحاً بفلسفة العمل و تكافؤ الفرص ، و نشأت بسببها تبريرات التراخي و الإهمال في أداء المهام الوظيفية مستويات متعددة، و تسبب ذلك أحياناً في تغييب الرأي المختلف عن رأي رئيس المؤسسة أو الهيئة و إقصائه ، و اعتماد الولاء الوظيفي على أساس الولاء لرئيس المؤسسة أو الهيئة و ليس على أساس تشخيص المصلحة العامة ، و هي صور فاقعة من صور الفساد لا ترحب بها المرحلة القادمة من مراحل العمل الوطني ، و تتناقض تماماً مع روح خطاب صاحب الجلالة الذي يشدد على "التكليف و المسؤلية" ، و لابد لنا أن نشير في هذا السياق إلى صور من الفساد يدفع بها المواطن نفسه و يضغط بها على المسؤول الحكومي ليراعيه في تعيين أو تخصيص أو ترقية أو استثناء أو غير ذلك ، و إذا ما استجاب المسؤول و لو بتردد و تمنع و حرج كانت سابقة و حجة عليه ليسمح لسواه ، و مثل هذه الآفات لا يسلم منها أي مجتمع و الوقاية منها تتوزع مسؤليتها على الجميع ، و حينما يكون لدينا مسؤول نظيف و نزيه فعلينا أن نحافظ على نزاهته و أن لا نحاصره بالضغوط المحرجة التي توظف فيها كل الأعراف الاجتماعية و القبلية! لتكسر حاجز الاحترام للأنظمة و القوانين و تتسبب في تجاوز نراه استثناء و لا نرى ضرره الفادح بمستحق آخر ، و لا نرى ضرره بقيم المؤسسية و النظام و القانون و تكافؤ الفرص!
أتصور أيضاً أن مضامين الخطاب السامي و لغته و دفعة القيم التي تفيض منه لابد أن تعزز روح الشفافية و الوضوح في إدارة الشأن العام ، و روح المشاركة و تبادل الرأي داخل مؤسساتنا العامة ، و هو أمر يقتضي أن تقوم وسائل الإعلام ، و دوائر الإعلام و العلاقات العامة داخل المؤسسات بمهمتها "من أجل فهم الأمور على حقيقتها" كما نص خطاب صاحب الجلالة حفظه الله و رعاه ، و هذا يقتضي أن تشرح للناس كيف يتخذ القرار و ما ضرورات اتخاذه؟ و تكون أداة تفاعلية مع الجماهير تعزز الحقائق و تنفي التكهنات و تكون ، و أن تحد أيضاً من التغطيات الخبرية للقاءات المسؤولين و احتفالاتهم التي تضخم المسؤول على حساب المؤسسة و العمل العام.

الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

تجديد النهضة و صناعة المسار و مسؤولية البناء .. قراءة في خطاب جلالة السلطان في افتتاح مجلس عمان

نشر بجريدة عمان . الأربعاء 2/ نوفمبر / 2011م

بسم الله الرحمن الرحيم

تجديد النهضة و صناعة التحول و مسؤولية البناء

   اللحظة التاريخية هي لحظة تتجاوز مألوفها ، و هي لحظة حاسمة ، و الكلمات التي ترسم المستقبل تقع في القلوب و العقول لأنها متعلقة بالمصائر، مصائر المجتمعات و الشعوب و الدول ، و القادة التاريخيون هم الذين يدركون الاستحقاقات متى بلغت نصابها ، و أوان صناعة التحول حين وجوبه ، و هم الذين يقودون شعوبهم إلى الرشد و إلى الازدهار و يضعون دولهم على دروب المستقبل.
لقد كان خطاب صاحب الجلالة السلطان المعظم حفظه الله خطاب القيم بامتياز ، و القيم هي أهم ما تتطلبه المرحلة ، حتى يكون بناء المستقبل على الأسس الصلبة و ليس على المتغيرات ، تلك القيم التي تتصل بمرجعية الدين و الهوية و التاريخ الحضاري الذي لا يراد له أن يقف عند حدود الذكريات الغابرة بل يراد له أن يكون خطاً ممتداً و تياراً يمضي في مساره ، و يراد له أن يكون شحنة طاقة للمستقبل و رشد الواقع ، و عمان المستندة دائما على شجرة التاريخ بأعلامها و قادتها التاريخيين و بإنجازاتها و نضالاتها و علمائها و إنتاجها العلمي و الأدبي و استقلالها و انفتاحها و تسامحها ، عمان تحملنا جميعاً اليوم أمانة تجاه وطننا أولاً و تجاه أمتنا و تجاه الإنسانية بأسرها أن يستمر الخط و أن نقدم النموذج .
كان خطاب جلالة السلطان المعظم بتشديده على القيم المتجاوزة لقوالب المكان و الزمان كأنما هو يقول و الدهر يكتب ، إذ تبقى القيم الكبرى هي المعالم الهادية في عالم مضطرب و متداخل ، و يبقى النص عليها و التأسيس لها و الدعوة إليها و توضيحها و التكليف بها و تحميل مسؤلية الدفاع عنها هو ما توخاه الخطاب التاريخي. فتلك القيم هي عتادتنا للمستقبل ولتحدياته التي وصفها الخطاب بــ "الكبيرة " ، و هي كذلك فرصتنا التاريخية التي يجب علينا أن نتشبث بها من أجل عمان و أجيالها و مستقبلها ، و وفاء لحق تاريخها العظيم . و مسؤوليتنا أمام الله و الوطن و القائد و التاريخ أن نستوعبها و نتمثلها ، وأن نكون جزءاً من مادة تحققها على الأرض ، و ترسيخها في التربة العمانية التي تألفها و طالما نبتت و ترعرعت فيها.
* القيم و أدوات التحقق :
هو إذن خطاب القيم بامتياز، و علينا أن نعي أنها ليست قيماً مرسلة تبحث عن أدوات تحققها ، فالأدوات قد سبقتها في الوجود ، و لكن العمانيين جميعاً ، بمؤسساتهم و أفرادهم كانوا يحتاجون إلى شحنة المسؤولية التي تربطهم بالقيم  و تطالبهم بالإمساك بأدواتها ، ذلك لأن الخطاب كان تتويجاً للخطوات التي أبانت عنها المراسيم التي صدرت خلال الشهر الماضي ، و كانت تمثل الخطوات الإجرائية لتحقق تلك القيم و ثباتها في الواقع ، أو وضع المسؤول و المواطن أم مسؤولية تحقيقها بإتاحة الأطر القانونية لهذا التحقق .
و كما هو معلوم فقد نص الخطاب على قيم أراها تتجلى في التالي : على التدرج و التطور الطبيعي في الشورى و ما يرتبط بها من بناء مؤسسي ، و على التوازن و البناء على الهوية الحضارية و الوعي بالمهمة التاريخية لعمان ، و على حرية الرأي و الفكر و الاجتهاد ، و رفض مصادرته واعتباره علامة عافية و قوة للمجتمع ، و رفض الغلو و التطرف ، و إشاعة التسامح و المحبة ، و على مواجهة الفساد و سد الثغرات الموصلة إليه ومحاصرته ، و على مرجعية القضاء و القانون و دعم استقلاليته و وقوف الجميع سواسية أمام العدالة، و على التقييم الشامل خاصة للتعليم الذي هو رهان المستقبل، وعلى المحافظة على المنجز التنموي و رفض الإفساد في الأرض ، و البناء على ما تحقق من بنى أساسية و حق الأجيال القادمة فيها ، و على الاستنهاض للبناء بعزيمة صادقة و جلد مثابر ، و على التمحور على الإنسان في التنمية ، و على إيلاء الاهتمام بالأجيال الشابة من أبناء عمان و بناتها تعليماً و تدريباً و توظيفاً ، و كذلك زيادة تمكينه من المشاركة في البناء الوطني ، و على شكر المخلصين العاملين من أجل عمان في كل مواقع المسؤولية ، و قبل كل شيء و بعده في مستهل الخطاب و في ختامه شكر الله و الاعتماد على توفيقه و هداياته ، فكل جهد إنساني مهما بلغ شأوه معوز إلى المدد الإلهي و التوفيق الرباني و إلى تسديد الله و لطفه .

* مآلات التحقق و لوازم المسؤلية :

ستكون كل هذه المضامين التي شملها الخطاب مادة للوعي و للتحليل التفصيلي لأن الواجب يحتم على الجميع ممن يمتلك الرأي و الرؤية أن يكون جزءاً من الوعي و التحقيق ، و بوسعنا بإطلالة سريعة على ما بثته مضامين الخطاب أن نتيقن بأن الشورى و نهج المشاركة هو مبدأ لا حيدة عنه و أنها جزء من "رؤية مستقبلية" و خطوات مدروسة ،و أنه يسير في تدرجه الطبيعي المساوق للتطور الاجتماعي ، كما أكد الخطاب السامي و كما نص المرسوم 99/2011م في ديباجته التي أكدت أن التعديلات على النظام الأساسي للدولة هي "إيمان بأهمية تطوير مسيرة الشورى في البلاد"، و جميعنا يعي أن المسيرة خطوات ، خطوة سابقة و راهنة و خطوة مستقبلية بعون الله. و إذا كان جلالته ــ حفظه الله ــ يتطلع إلى نقلة نوعية في العمل الوطني يدفع بها مجلس عمان بما أوتي من صلاحيات تشريعية و رقابية فإن المسؤولية الجسيمة ملقاة على عاتق أعضائه اليوم ، و الوطن يرقب و الناس شهود على من اختاروه ليقوم بالواجب و ليكون جزءاً من هذه النقلة النوعية .
نعم بوسعنا أن نرى كيف يمكن لهذا التدفق القيمي الذي فاض من الخطاب أن يمسح عن عمان كل ما قد يكون ران من غبش التصورات و الأوهام و التشبث الأعمى بالرأي من بعض الأطراف ، و أن يجلو عنها ضعف العزائم و أن يشحنها بطاقة البناء ، و كيف ستستلهم المؤسسات هذه المضامين الكبرى لا لتعلقها على جدران المؤسسات فحسب ،بل لتحولها إلى فلسفة عمل و إلى قيم حاكمة على أداء المسؤول و على وعيه بحقيقة المسؤولية ، وكيف أنه بوسعنا أن نرى المسؤول أيضا و قد نزل من برجه العاجي ومخصصاته و ألقابه ليكف عن تشبثه بالرأي الأوحد و لينفتح على الآراء جميعها ، و ليصغي للمتخصصين و ليصيخ لحركة المجتمع و لحاجاته ، و ليشجع باستنارة على تداول الرأي.
نعم بوسعنا أن نرى الأجهزة الرقابية و أولها مجلس الشورى و جهاز الرقابة المالية و الإدارية للدولة كيف ستتحرك "بعزيمة لا تلين تحت مظلة القانون" كما كان الخطاب حاسماً في توجيهه ، لتحاصر الفساد و لتسد عليه المنافذ حتى قبل أن يحدث ، بوضع الأطر الوقائية التي تمنع من ضربه لقيم النزاهة و العدالة و المساواة و تكافؤ الفرص،و إهداره للمقدرات و استئثار القلة بها ،و بإمكاننا أن نرى وسائل الإعلام ، و دوائر الإعلام و العلاقات العامة و قد حدت من التغطيات الخبرية للقاءات المسؤولين و للاحتفالات ، لتشرح للناس كيف يتخذ القرار و ما ضرورات اتخاذه؟  و تكون أداة تفاعلية مع الجماهير تعزز الحقائق و تنفي التكهنات و تكون كما وجه القائد "من أجل فهم الأمور على حقيقتها" .
و بوسعنا أن نرى الجهات المسؤولة عن التقنين و التشريع و على رأسها مجلس عمان بركنيه ، و قد تلقت هذه الدفعة الضخمة من التأصيل و التأكيد على حرية التعبير و تداول الرأي  ، و قد شرعت في مدارسة القوانين المنظمة لأدوات التعبير كقانون المطبوعات و النشر و غيره من القوانين المتصلة بهذا الشأن ، لفحص إن كانت ملائمة لعصر السماوات المفتوحة أم أنها تحمل قيوداً تجاوزها الزمن؟ و بوسعنا أن نرى كل الأجهزة و المؤسسات و قد استلهمت ذلك التوجيه الحاسم بالتأسيس للتقييم المنهجي في أكثر قطاعاتنا حيوية و خطورة و هو التعليم ، فينعقد ــ مثلاً ــ مؤتمر وطني يناقش قضايا التربية و التعليم في كل مستويات التعليم ، و ليكون برهاناً ساطعاً على حرية التعبير،و سقف الحوار المرتفع ، و على مبدأ المشاركة و قيم النقد الذاتي ، و تأكيداً على تداول الرأي بين الجميع خاصة في قضايا التعليم التي تتجاوز التخصصات التربوية و الأكاديمية ، فأمر التربية و التعليم أخطر وأشمل من أن يكون حكراً على تداول التربويين وحدهم في دوائرهم المتخصصة ، فهو هم المجتمع المؤرق و هاجسه الدائم و هو رهان المستقبل ، و هو بكل برامجه و مستوياته محور التنمية البشرية ، و هو خلاص الأجيال من حيرتها ، وممكنها من الإمساك بفرص العمل المنتج و استنارة الوعي ، و معه كذلك الخلاص من الفقر و الجهل ، بالإيمان بالله ، و بالوعي العميق بالوطن، و بالقدرة على الكسب و العمل ، وإننا نجد النص على هذا البعد التربوي متضافراً ليس في التوجيه بالتقييم الشامل فحسب ، بل و في ضرورة ترسيخ قيم السماحة و الأخلاق و الفضائل عبر مؤسسات المجتمع "في البيت و المدرسة و المسجد و النادي" ، و المنظومة التربوية التعليمية بأسرها تحتاج إلى التقييم الشامل كما قال جلالته و لا عذر من تحمل المسؤولية.

* عمان بين الشكر و الدعاء

تنبث كلمات الشكر لله في ثنايا الخطاب ، و معها كلمات الدعاء الخاشع الذي تؤمّن له قلوب العمانيين جميعاً ،  وكلنا يعلم أن المسؤولية التي تفضي إلى التطوير و التغيير لا إنابة فيها و لا تواكل ، فالكل مسؤول و لا عذر، الوزراء الذين أقسموا القسم بالله ، و أعضاء مجلس عمان الذين أقسموا القسم بالله ، أن يستهدف كل منهم مصلحة عمان و شعبها ، و كذلك كل فرد منا يتحمل مسؤوليته أمام الله و الوطن و القائد و التاريخ ، بأن تكون هذه القيم حقائق تمشي على الأرض، و أن نتمسك بما رسخ منها ، و نرسخ ما كان منها يحتاج إلى جهد لترسيخه بجعله منهجاً مؤسسيا ثابتاً كما أكد على ذلك الخطاب، و كلنا نعي أن هذا يستلزم الكثير من الجهد و التضحيات و تغيير التفكير و القناعات ، و الإيمان بإمكانية التغيير و التطوير .
و توفيق الله يحرس المسيرة ، و رعايته جل في علاه تمد بالعون و الهداية ، فالحمد لله الذي وهب عمان ما وهب ماضياً و حاضراً، و الله نسأل أن ينير مستقبلها ، و الحمد لله الذي هيأ لعمان على مدى تاريخها و حاضرها قادة أفذاذاً يحملون الأمانة و يعون رسالتها التاريخية ، و يحنون على الشعب و ينحازون إليه ، و يدفعون عنها الأخطار بالحكمة و الرشد و بالقرار الحاسم في ساعة الحسم . حفظ الله عمان و قائدها و شعبها.

الأحد، 24 يوليو 2011

حلقة نقاش حول الشورى و المشاركة السياسية - الأحد 15 مايو 2011م

أدار الندوة : محمد بن سعيد الحجري
أعدها للنشر :
محمد بن سعيد  الحجري - ياسر بن حمود المسرري - عبدالله بن سعيد الزهيمي - سالم بن سهيل الشحري - عاصم بن محمد الشيدي

نظم مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية ندوة مصغرة متخصصة حول الشورى والمشاركة السياسية في السلطنة، بهدف استطلاع أراء بعض النخب العمانية حول واقع المشاركة السياسية الحالية، المستقبلية في ضوء إعطاء مجلس عمان صلاحيات تشريعية ورقابية. وشارك في الندوة مجموعة من الباحثين والخبراء والمثقفين والكتاب.. وانطلق النقاش في الندوة من ثلاثة أوراق عمل قدمت في مفتتح الندوة، حيث قدم الباحث أحمد بن علي المخيني ورقة حول العملية الانتخابية باعتبارها القناة الشرعية للتمثيل الشعبي ، كما قدم المحامي سعيد بن سعد الشحري ورقة حول الصلاحيات التشريعية ، بينما قدم المحامي يعقوب بن محمد الحارثي ورقة أخرى حول الصلاحيات الرقابية ، و قد ناقش الحاضرون قضية الشورى و المشاركة السياسية انطلاقاً من هذه الأوراق رغم أن النقاش تطرق إلى جوانب أخرى خاصة في ضوء المرسوم السلطاني39/2011 الذي حدد ملامح المرحلة المقبلة بمنح الصلاحيات التشريعية و الرقابية لمجلس عمان و تعديل النظام الأساسي للدولة بما يتلاءم مع هذه الصلاحيات .
كما استكشفت حوارات الحلقة التجربة البرلمانية والشورية في دول العالم الأخرى، و قضية الفصل بين السلطات و توزيع السلطات بينها ، وآثارها السياسية، وموقع الممارسة الشورية في السلطنة من هذه التجارب العالمية ، كما أتت الندوة على مناقشة أفكار تتعلق بتمثيل الشرائح الاجتماعية المختلفة كالمرأة ومؤسسات المجتمع المدني، و توزيع الصلاحيات التشريعية و الرقابية بين المجالس المنتخبة و المجالس المعينة و إيجابيات و سلبيات كل منهما ، و الفرق بين الرقابة السياسية و الرقابة الجنائية على المسؤولين الحكوميين ، و آليات و أدوات المراقبة السياسية التي تمارسها المجالس البرلمانية .
وقد شارك في مداولات الحلقة عدد من الكتاب و الباحثين و أعضاء مجلس الشورى الحاليين و السابقين منهم سعادة الشيخ مالك بن هلال العبري ، و مبارك الشبلي ، و الدكتور حاتم بن بخيت الشنفري ، و الباحث صالح بن سليم الربخي عضو مجلس إدارة النادي الثقافي ، و الدكتور محمد بن طاهر آل إبراهيم ، و الباحث خميس بن راشد العدوي ، و الكاتبة و الشاعرة عائشة بنت محمد السيفية و الدكتورعبدالرحمن برهام باعمر ، و الشيخ محمد بن عبدالله الحارثي رئيس مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العمانية ، و الباحث صالح بن راشد المعمري ، و الكاتب أحمد بن محمد الغافري، و الباحث خميس بن جمعة البلوشي ، و الفاضل  محمد بن سعيد بن بركات الهادي ، و الكاتب عاصم بن محمد الشيدي ، و الكاتب حاتم آل عبدالسلام ، و قد أدار الجلسة الباحث محمد بن سعيد الحجري من مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية ، و حضرها عدد من المسؤولين بالمركز ، كما تابعها عدد من المهتمين.
في البداية قدم الباحث أحمد بن علي المخيني ورقة بعنوان " العملية الانتخابية"، تناول فيها ثلاثة محاور: البعد الاصطلاحي وبعض المفاهيم المتعلقة بالعملية الانتخابية، وتقويم العملية الانتخابية بالسلطنة، ثم قدم توصيات بهدف الدفع تجاه سلامة العملية الانتخابية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية.


وتحدث المخيني في ورقته عن الفرق بين التقسيم الإداري والتقسيم الانتخابي، كما تحدث عن الصيغة الانتخابية الأنسب في عمان، كما تحدث عن السن الأنسب للمشاركة في الانتخابات مشيرا أن سن 18 عاما هو الأنسب بدل 21، كما تطرقت ورقته إلى المؤهل العلمي للمترشح مفضلا عدم اشتراطه شرطا لقبول المترشح لأنه لا يأخذ به في غالبية دول العالم.


وقدم المحامي سعيد الشحري ورقة بعنوان الصلاحيات التشريعية لمجلس عمان، متحدثا عن صلاحيات مجلس عمان الحالية وصلاحياته التشريعية والرقابية القادمة. وطرحت ورقة الشحري سؤالا بدا مهما حول لمن ستكون الغلبة في مجلس عمان في تمرير القرارات هل لمجلس الدولة المعين أم الشورى المنتخب؟


كما أقترح الشحري أن يكون لكل 30 ألف شخص ممثل في مجلس الشورى حتى يكون هناك ضمان لوجود تمثيل متكافئ.


كما قدم يعقوب بن محمد الحارثي ورقة بعنوان الصلاحيات الرقابية لمجلس عمان " الواقع وضمانة المستقبل" تحدث فيها عن الكثير من المحاور بينها فصل السلطات، إلا أنه أشار إلى أن النظام الأساسي للدولة لم يشر صراحة إلى فصل السلطات، إلا أنه لم يشر أيضا إلى خلاف ذلك. وتحدث الحارثي عن أن الصلاحيات الجديدة لمجلس عمان بإمكانها أن تقلص صلاحيات السلطة التنفيذية مشيرا أن لا بد أن يحدد النظام الأساسي في تعديلاته المرتقبة أن يكون من صلاحيات السلطان حل مجلس عمان متى ما رأى ذلك في صالح البلاد. وتطرقت ورقة الحارثي إلى الكثير من المحاور التي كانت فاتحة نظرية للنقاشات التي شهدتها الندوة.


وبدأ النقاش حول المدخل النظري الذي قدمته أوراق العمل سعادة الشيخ مالك العبري بجملة من التساؤلات كان أبرزها سؤاله حول من يراقب مجلس عمان؟ رائيا أنه يجب إيجاد سلطة رابعة تراقب أداء جميع تحركات الساحة الوطنية.
وبالنسبة للمرسوم السلطاني 39/2011 يقول العبري، كان واضحا أنه يمنح مجلس عمان السلطات التشريعية والرقابية المعروفة في برلمانات العالم، مذكرا بما دار خلال اللقاء الذي تم في حصن الشموخ بين أعضاء مجلس الشورى وصاحب الجلالة السلطان المعظم ، حيث أشار جلالته أنه اطلع على المقترحات التي قدمها مجلس الشورى حول آفاق تطويره، و أن لديه ـ أعزه الله ـ رؤية أوسع منها، و هذا يعطي انطباعا عن أن الصلاحيات المرتقبة ستكون ذات سقف عالي و تكون مع الطموح المأمول من الشعب.


كما تحدث عن ماهية الصلاحيات الرقابية والتشريعية المنتظرة من مجلس عمان قائلاً : " في الحقيقة الصلاحيات التشريعية في المرحلة القادمة من المهم جداً أن تقر من خلاله جميع التشريعات الجديدة ، و أن يكون لديه الصلاحيات في مراجعة القوانين النافذة حاليا، و أن يقترح قوانين جديدة، و هذا موجود في لوائح المجلس حاليا،لكن ليس لدى المجلس السلطة بحيث أن ما يرفعه من توصيات تكون لها قوة نافذة و إرادة قوية لتطبق على أرض الواقع، فالضرائب و الرسوم و الموازنة و الخطط الخمسية كلها بمثابة قوانين، فكل هذه يفترض أن تمر على المجلس من أجل أن يقوم بإقرارها ثم يقوم بعد ذلك باعتمادها من المقام السامي، أما من ناحية الصلاحيات الرقابية طبعا من خلال الدراسة التي قدمها مجلس الشورى إلى جلالة السلطان ، فإنها تتضمن استجواب الوزراء ، و تقديم توصية لجلالة السلطان لسحب الثقة لوزير من الوزراء "


ثم تناول سعادته الانتخابات وشرط المؤهل، مشيرا إلى أنه ليس من الضرورة اشتراط المؤهل الجامعي في العضو المنتخب، وإنما المطلوب هي المهارات و العناصر و المقومات أكثر من الشهادة ، خاصة الشهادات في ظل تراجع مستوى مخرجات المؤسسات الجامعية ، مبيناً أنه لا يرى أن يشترط هذا المؤهل في العضو المنتخب لتمثيل مجلس الشورى.


وتطرق سعادة الشيخ إلى الحديث عن الهيئة الانتخابية لافتا النظر إلى أن" الذي يشرف على الانتخابات هو وزارة الداخلية ، و الوالي هو رئيس اللجنة الانتخابية في الولاية، موضحا أنه لو كانت الهيئة الانتخابية على مستوى السلطنة و على مستوى اللجان مستقلة تحت غطاء قضائي فإنها ستكون أفضل".


وأبدى العبري في ختام مداخلته تخوفا من أن " يعطى مجلس عمان الصلاحيات الرقابية والتشريعية ، و يكون تعاطي المجتمع و الفئة المثقفة دون الطموح و يتشكل المجلس من أعضاء يبحثون عن الجاه أو المنصب " مقترحا أن تكون هنالك لجنة تطوعية على مستوى السلطنة لها دور في تحريك المجتمع، و رصد التجاوزات خلال العملية الانتخابية، و توعية المواطن بأن صوته له قيمة و لا بد أن يعطيه لصاحب الكفاءة".
بعد ذلك قدم الكاتب و الباحث أحمد بن محمد الغافري، وهو أحد مؤسسي مبادرة مدينتي تقرأ مداخلة أشار فيها إلى أن: مسألة الحراك التطوعي لا بد أن يكون موازياً للحراك المؤسسي ،ـ و نحن لابد أن نعرّف الناس بواجبهم الشرعي و كذلك بحقهم الانتخابي ، خاصة مع الصلاحيات المنتظرة التي نأمل أن تكون بناءة - طالما تمت في جو من الحوار المتبادل والحر- و لذلك فالعمل التطوعي المحلي في ترشيد هذا الحق عمل أساسي بموازاة كل الجهود المؤسسية التي تأتي من السلطة.


وقال الغافري متحدثا عن الحراك الذي شهدته السلطنة مؤخرا وتصنيفه مع أو ضد" من الخطأ اختزال آمال الناس و تطلعاتهم بهذه الصورة ، و لذلك فعلا أرى أن الثلاث الكلمات الافتتاحية التي ذكرها الإخوة الباحثون في بداية حديثهم المسؤولية و الاتزان أو التوازن و المبادرة ، و أنا أظن أن تفعيل هذه المبادئ لابد أن يكون على كل الأصعدة، سواء على المجتمع المدني، أو الأكاديميين أو المثقفين و الإعلاميين ، كما نادى أن نركز على ترسيخ دولة المؤسسات فحسب، و ترسيخ ثقافة احترام المؤسسات كذلك ، بحيث يكون على المواطن احترام القانون أو القرار الذي يأتي من المؤسسة لكنه أكد "حتى نقنع المواطن بهذا الاحترام للمؤسسة المتخذة للقرار فلا بد أن تحظى هذه المؤسسة بقدر وافر من الشرعية وأنا أعتقد أن فصل السلطات يؤهل هذا الأمر".
من جانبه قدم الدكتور حاتم الشنفري: من كلية التجارة بجامعة السلطان قابوس و نائب رئيس الجمعية الاقتصادية العمانية مداخلة تساءل فيها:" في تصوري الآن نحن جالسون في حوار ، وطموحنا كبير و رغبتنا في التغيير جامحة و قوية ، لكن الواقع الذي نمر به واقع متقلب غير مستقر، فهل يا ترى المرحلة القادمة هي التي ستؤسس لواقع من التغيير الايجابي؟ أو أنها ليست ناتجة عن قناعة ، بحيث يكون التغير بوجود المطالبات فإذا خفت المطالبات قل زخم التغيير؟ واختتم الشنفري مداخلته بقوله: " تطلعنا للمستقبل مبني على التغيرات الحاصلة في المجتمع ، و قد تكون الأيام القادمة حبلى بالإفرازات و التي نتمنى أن تكون إفرازات ايجابية للمجتمع و الدولة بشكل عام و دائما الواحد يحيا على الطموح و يتمنى أن يلحق الواقع بهذا الطموح.
كما علق الفاضل صالح بن سليم الربخي عضو مجلس إدارة النادي الثقافي على اوراق العمل المقدمة بمداخلة رأى فيها أنه ينظر إلى قضية الشورى على أنها جزء من منظومة ، و تحتاج إلى ثقافة وآليات تتداخل و تتعاطى وتتفاعل مع منظومة متكاملة تعمل على تحقيق مفهوم ما تريد تحقيقه، مفهوم الشورى أو النظام ديموقراطي ، فإذا لم توجد هذه المنظومة بهذه الصورة فستكون هذه العملية الانتخابية ، وهذه المجالس هي عبارة عن مؤسسات شكلية ترسخ حالة أو صورة شمولية على شكل لائحة و صورة وضع ديموقراطي أو برلماني أو شوري".
المنظمات ليست مقياسا:
وقال الفاضل  صالح بن راشد المعمري ، الخبير بمركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية:" نحن دائما إذا أردنا شيئا نعتد بالمعايير الدولية التي طالما اغتررنا بها، و ينبه إلى أن هناك منظمات دولية يضرب لها مثالا بمنظمة الشفافية الدولية التي كانت تصنف عمان في السنوات الأخيرة من أوائل الدول العربية التي تحارب الفساد ، إلا أنها عادت وعكست تصنيفها خلال شهرين فقط! مضيفاً بأننا لا ينبغي أن نغتر بالمعايير الدولية فهي توضع في إطار عام لكن كل دولة لها مسارها الخاصة و لها وضعها الخاص و لها إمكانياتها الخاصة ، فلماذا نطالب إلى تنزيل سن المقترعين في الانتخابات إلى 18 سنة وصاحب هذا السن ما زال في التعليم الثانوي؟؟!!، أنا اقترح رفع هذا السن من 21 سنة ، حتى يكمل المرحلة الجامعية و يزاد ثلاث سنوات من سنه الوظيفي".
من جانبه بدأ محمد بن سعيد بن بركات الهادي مداخلته باقتراح "أن تشرف المحاكم القضائية على اللجان الانتخابية حتى تكون نتائجها صادقة وموضوعية، بعدها تساءل الهادي عن "كيف يمكن لعضو مجلس الشورى أن يراجع أو يسن قانونين أو دراسة الخطط ، و أن يمارس النقد البناء دون أن تكون لديه دراسة كافية تؤهله للقيام بدور فعال في المجلس؟! و اقترح أن يجرى اختبار بسيط ليحدد المستوى العام لمستوى ثقافة العضو المنتخب، والتي تؤهله ليكون عضوا فعالا في المجلس تحت بند الثقافة أو على قدر كاف من الثقافة الذي تنص عليه شروط الترشح.
ثم تحدث الهادي عن فصل السلطات الثلاث مبينا أنه لا يعني تخبط هذه السلطات أنما تكون كل سلطة وفق قانون معين يحدد صلاحياتها، و هذا القانون يشارك في إعداده رجال متخصصون في القانون ودراسة القوانين، وأن تشرف عليها المحاكم.
الشيخ محمد بن عبدالله الحارثي رئيس مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العمانية ، افتتح مداخلته بشكر القائمين على هذه الندوة ،ثم وضح بأن نظرته ستكون شامله و أنه سيعالج مداخلته بالنظر للشورى كمنهج و نظام حكم و هو يرى بأن الفرق شاسع بين الشورى كمنهج و نظام حكم وبين الشورى المتمثلة في مجلس الشورى الحالي بالسلطنة ، ثم عرج مسوغات تفضيل منهج الشورى على الديمقراطية و مناسبتها لتركيبة المجتمع العماني،كما نوه إلى أن الشورى كمنهج و نظام حكم أوسع بكثير من البحوث المقدمة التي تناولت جزء من آليات تطبيق منهج الشورى ،ثم تساءل ـ و نحن في هذه المرحلة التي يعاد فيها صياغة النظام الأساسي للدولة ـ حول مفهوم الشورى و موقعه في النظام الأساسي للدولة ؟ هل هناك دور فعلي لمفهوم الشورى في النظام الأساسي للدولة؟
ثم بين بأن تأسيس نظام الحكم على مبدأ الشورى أو الديمقراطية لابد و أن يقوم على تحقيق مبدأ الوطنية و تحقيق مبدأ العدل و الإنصاف و التي حدد لها الشرع معايير واضحة . كما بين في الوقت نفسه بأن الديمقراطية المعاصرة اعتبرت منهج و نظام حكم قادر على مراعاة العقائد مع التفريق بينها و بين الليبرالية باعتبارها عقيدة . و في الحالتين فأن المسائلة هي جوهر تحقيق الغرض السياسي و هو التحقق من عدم إساءة استخدام صلاحيات السلطة التنفيذية السياسية ، ثم تطرق إلى المسائلة الفعالة و ما تتطلبه من التزام بتقديم تفسير ، و الحق في الحصول على رد ، و النفاذ و ضمان اتخاذ إجراءات أو الانتصاف في حال فشل المسائلة ، و من مستلزمات و جود المساءلة و جود شفافية لأن غياب المعلومة الموثوقة لا يوجد أساس للمسائلة أو لفرض عقوبات. ثم عرج على أساسيات الشورى من وجهة النظر الشرعية باعتباره منهج حكم قائم على الإجماع و التعاقد ، كما في القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة ، ثم بين بأنه على ولي الأمر مشاورة الأمة ( و شاورهم في الأمر ) ( و أمرهم شورى بينهم ) و لقد حدد الرسول مسؤولية الأمة حيث قال : (أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ( إنما أنا بشر مثلكم ) ، مورداً ما قاله المفكر الإسلامي رشيد رضا بأن قاعدة الطاعة مقيدة بشيء أساسي هو التزام و لي الأمر بقيم الفضيلة و مبادئ المساواة و الشورى و الإجماع بجانب الشرع و العدل و التي تعتبر أساس السلطة في الإسلام حيث تعود إلى الأمة لأن لقراراتها قوة التنفيذ في كل مسألة تستشار فيها و تتبنى بصددها حلا جماعياً ، ثم بين أن من أهم أساسيات الشورى أن تكون التوصيات المتفق عليها ملزمة.


الفصل بين السلطات
من جانبه قال الدكتور محمد طاهر آل إبراهيم، الأستاذ بكلية الحقوق في مداخلته أمام الندوة إن موقف الدساتير في العالم من قضية الفصل بين السلطات ، ثلاث مواقف أساسية :موقف الفصل التام : مثاله الولايات المتحدة الأمريكية، وموقف الفصل مع التعاون بين السلطات : مثاله بريطانيا، وموقف التنكر للفصل مثاله : الدول الشيوعية ـ دول العالم الثالث و أن كانت أوردت في العديد من الدساتير الفصل من الناحية الشكلية ، إلا أنه حقيقية كل السلطات مركزة في يد فرد .مبيناً أن عدم الاعتراف بالفصل هو تكريس للاستبداد و التحكم ، و هو عملياً تكريس للانتقاص من حقوق الناس ، النوع الثاني الذين هم متنكرين للفصل و هم النظام الاتحادي كما في بعض الدول التي تترك تسير الدولة من قبل البرلمان


ثم تساءل عن المجتمع المدني الذي رأى أنه (مغيب) و أن هذه الجمعيات هي جمعيات ميتة لأنها لم تنشط و لم تتحرك ، فيما يرى أنه ما زالت أداة المجتمع معنا أداة القبيلة ، مع أنه لا يوجد ضير أن تكون لدينا أداة القبيلة ، على أن تفعل في الإطار الايجابي دون قفز على مجتمعاتنا .
و فيما يتعلق بجدل الشورى و الديموقراطية ، رأى أنه جدل لا يمكن أن نتخلص منه كل يوم نحن نتجادل بالشورى و الديموقراطية ، موضحاً تصنيفات بعض "المشايخ" للديمقراطية إلى ثلاث حالات : من يرى أن الديموقراطية كفرا بواحا ، وهناك من يدعو إلى الديموقراطية بما فيها من بلا تردد و ينكر على الآخرين فيقول هؤلاء المتحجرين و المشايخ و المتدينين و متجمدين و هذا العالم ما تطور عنده إلا بالديمقراطية ، و نوع ثالث أناس يدعون إلى استخدام الآليات و هي ثلاث آليات للديموقراطية انتخابات حرة نزيهة و تداول سلمي للسلطة و تعددية سياسية ،و رأى أنه إذا فعلت الشورى على هذه القواعد الثلاثة لن يكون هناك مشاكل على هذا الصدد ، مؤكداً أننا بدأنا في هذا المشروع و لذلك من أجل النهوض بهذا البلد لا بد من توزيع الصلاحيات و إلزام السلطة التنفيذية أولا بالقانون ، حتى لا يكون هناك أحد فوق القانون ، منبهاً إلى أن كثير من المؤسسات كانت تعليمات الوزير فيها مقدمة على القانون !!
من جانب آخر بدأ حاتم بن حارث آل عبد السلام مداخلته بالتنويه إلى ضرورة توضيح ما إذا كان هناك تعارض متوقع في صلاحيات مجلس الشورى ومجلس الدولة وفق التغييرات المرتقبة.
ورأى الباحث خميس بن راشد العدوي أن المشكلة معنا في عمان ليست في وجود القوانين أو نقصها بل على العكس هناك قوانين موضوعة لكل الجوانب، فأوضاعنا تختلف عن الكثير من الدول في هذا الجانب، ومع ذلك تجد أحيانا أنك تقطع مسافات زمنية للوصول إلى ترخيص لتأسيس جمعية علمية أو اجتماعية. واستطرد العدوي قائلا: " في الجانب الثاني تثور قضية متى اشتغلنا بالقانون، وخصوصا حين نقارن أنفسنا ببلدان صار لها أكثر من 150 سنة في سن القوانين كمصر مثلا، وعلى المجتمع الانتباه إلى الالتفاف على المؤهلين لصنع القانون و ضرورة دفع للقانون في مجراه الصحيح، فلا يكفي لتعديل القوانين وتصحيحها أن يتم التحدث في برنامج إذاعي حولها، مع أنه من ضمن حريات التعبير عن الرأي لكنها ليست منطقة صناعة القانون، وأتصور أن الجلسة التي نحن فيها الآن مهمة جدا بل وضرورية ومع ذلك حسب تصوري ليست منطقة لتعديل القوانين حول ما نتحدث عنه من جوانب تشريعية ورقابية لمجلس الشورى.
واختتم العدوي مداخلته بالدعوة إلى ضرورة أن يوجد إلى جانب الثقافة علم القانون ومؤسسات ومراكز لدراسة للقانون وإلى حد الآن ليس لدينا في هذا الجانب سوى شرح أو شرحين مبسطين لموضوع النظام الأساسي للدولة. هنا نتمنى أن نرى دراسات وشروحات قانونية يستفيد منها القانونيون والباحثون والدارسون ومن أراد التثقف في هذا الجانب. كذلك نتمنى أن نرى ندوة سنوية للدراسات القانونية


التطرف في الظلامية
الكاتبة والمهندسة عائشة السيفية بدأت مداخلتها بقولها: "عندما نتحدث عن دولة حريات ومؤسسات مدنية، وفي الجانب الآخر عندما نطالب برفض التطرف في الظلامية نطالب أيضا بعدم التطرف في المطالبة بالقوانين ومبادئ الحرية والعدالة، ولا ينبغي أن نقفز على مجتمعنا، فمثلا يقوم بعض المرشحين لمجلس الشورى بدفع مبلغ مالي للناس ليقوموا بترشيحهم!!، نحن نتحدث عن الدورة الأخيرة لمجلس الشورى، كانت خالية من أي تمثيل نسائي، وهذا ترشيح مجتمعي لم تتدخل الدولة فيه، فينبغي أن نتدرج. فلماذا حين يتحدث الدكتور مثلا عن اللجنة التي تعمل في الخفاء في صياغة السلطات التشريعية والرقابية وكذا، دعونا ننتظر مبدئيا لنرى ما ستنتجه هذه اللجنة.
وتطرقت السيفية إلى أن مسألة لعن الظلام ورفض ما يحدث سيدفع المثقف إلى ممارسة دور تصادمي مع الدولة، على المثقف أن ينير للشعب الطريق، وتساءلت السيفية: لماذا لم نجد خلال العقدين الماضيين اشتغال حقيقي من المثقف نفسه على توعية الشعب بالدساتير والقوانين والنظام الأساسي للدولة؟ ولماذا لم نر أدوات حقيقية قام عليها المثقف بدل أن ندخل في هذا السياق وفي هذا الجو المحموم في التصادم مع الدولة، والإشارة بعصا الاتهام إلى الدولة ؟ لماذا لا نبدأ باشتغال حقيقي في توعية الشعب بحقوقه و ما له و ما عليه؟ لماذا لا نبدأ بمحاولة تطوير ثقافة الشعب؟؟
ثم تناولت السيفية موضوع المؤهل العلمي للمنتخبين لتمثيل الولايات:" فعندما نتحدث عن الشهادات وتوافرها في مرشحي مجلس الشورى-مثلا- أعتقد الأمر يرتبط بثقافة الشعب نفسه، فعندما أذهب أنا وأرشح عضو لا يمتلك مؤهل علمي، فماذا أتوقع منه؟؟ و كذلك عندما نتحدث عن عزوف شعبي عن الترشح لمجلس الشورى لأنه مثلا قوانين المجلس تلزم بأن لا يكون العضو على رأس عمله العضو خلال مدة مشاركته في مجلس الشورى، أعتقد أنه أولا وأخير ينبغي أن يكون الرهان على ثقافة الفرد نفسه وثقافة المجتمع، وهما اللتان سوف تجبران الدولة على التعاطي معها و لو لم تكن ثقافة الشعب هي التي تفرض ذلك لم يكن ليخرج الشعب إلى الشارع و لم تكن تلك الاستجابة المشكورة من الحكومة".


وأردفت السيفية الحديث عما أثير حول ما يتعلق بالتمثيل العددي حسب الكثافة السكانية، ورأت أن يكون لكل 30 ألف نسمة ممثل واحد، كحل وسط فليس من العدل أن تتساوى الولايات في عدد الممثلين مع وجود فارق كبير في الكثافة السكانية.
وتناولت السيفية في مداخلتها موضوع التمثيل النسوي في مجلس الشورى، مؤكدة إن عدم ترشح المرأة أو عدم فوزها في المجلس هو انعكاس تام لثقافة المجتمع، وهذا يدل على أن المجتمع لم يصل بعد إلى الثقة بالمرأة لتمثيله في مجلس الشورى، مبينة أن الإرادة في النهاية هي إرادة شعبية ولا أعترض على هذا الشيء بل على العكس فهو يعطي قراءة عميقة لما يدور، وهل يملك المجتمع نضج سياسي كاف لإحداث تغيير كبير في الدساتير، واختتمت السيفية مكررة القول: أنه لا ينبغي أن نقفز على الواقع، دعونا نتدرج.
لا تغييب للمرأة
وافتتح مبارك الشبلي وهو عضو مجلس شورى سابق مداخلته بالحديث عن تمثيل المرأة في المجتمع مبينا أنه عندما يذهب رجل ويمثل في مجلس الشورى لا يعني هذا تغييب للمرأة فالرجال شقائق النساء، فهم يمثلونهن ولا أرى من ضرورة ليكلفن أنفسهن هذا العناء، وعليه فأن المرأة مستشارة وهناك من يأخذ بآرائهن، وأكد أن كل ما في الأمر أن التمثيل في مجلس الشورى يجب أن يربط بالكفاءة لا بالجنس الأنثوي أو الذكوري. فالكفء من الجنسين هو المهيأ للقيام بالأمانة الملقاة على عاتقه.


أما فيما يتعلق بالتمثيل العددي حسب الكثافة السكانية فيرى الشبلي: أنه ليس بالضرورة العمل به، فهناك مناطق ليس فيها عدد كبير من السكان لكنهم موزعين في مناطق كثيرة الأمر الذي يعني تحمل المشقة من العضو للوقوف على احتياجاتهم وشؤونهم، ولا أدعو في الوقت نفسه إلى إلغاء معيار الكثافة بل أدعو إلى الاستئناس به ومراعاة الجانب الجغرافي التضاريسي في عملية تحديد عدد مثلي كل ولاية.
ونادى الشبلي بضرورة الأخذ بمعيار المؤهل العلمي لممثلي الولايات فهو من الأهمية بمكان، فليس من المعقول في شيء أن يكون الممثل بالكاد يقرأ و يكتب!! فهذه مصيبة لهذا المجلس بهذا الحجم والهيئة التي يراد له أن يكون عليها، بحيث يكون متفاعلا مع المجتمع بصورة أكبر من ذي قبل وخاصة بعد الحراك الأخير الذي حصل في بلداننا العربية.
د. عبدالرحمن برهام باعمر أكد في بداية مداخلته إلى أنه يجب أن نفهم ثقافة المجتمع و ثقافة الشعب وهي حصيلة لما يحدث في هذا المجتمع من تربية و أطر قانونية و نتيجة كاملة لما تقره السلطة نفسها فإذا كانت سلطة مخلصة متوجهة إلى الإصلاح بنية حقيقية ستجد و ستضع الأطر الصحيحة التي تفرز هذه الثقافة والتي تقوم على ضمير الإنسان نفسه و على مسؤوليته تجاه وطنه و أمته فإذا كانت قضية المسؤولية هي المرتكز الأساسي فيما نرتجيه من أطر تشريعية و تربوية و حراك فأعتقد أنه سيكون الواقع مختلف تماما و سنجد ذلك المجتمع الواعي الذي يؤمن بالعدالة و الذي يسعى إليها أيضا و سنجد ذلك المواطن الذي يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و سنجد ذلك المواطن الذي يكون حريصا جدا على دفع المظالم و لن يتردد في النقد الإيجابي و لن يتردد أبدا عن المسير نحو الإصلاح و نحو نهضة الأمة.


و يعتقد د. عبد الرحمن أنه لكي يفرز مجلس الشورى شباب قادرين على العطاء مؤمنين بأهداف المجلس قائمين على نهضة هذا البلد و على هم الأمة من الضروري أن يعاد تشكيل الآليات التي تؤدي إلى هذا النهوض.


وفيما يتعلق بالمؤهل العلمي للعضو يرى برهام: أن المسألة ليست مسألة شهادات، وإنما يجب أن يكون هذا التمثيل حقيقيا لرغبة الناس و رغبة الشعب كما يجب أن تعتمد تفعيل المشاركة و رفع جودة هذه المشاركة من خلال جعل التمثيل نسبيا، وكمرحلة أولى لا يمنع أن تكون الدائرة الانتخابية هي المحافظة الإدارية فلا يمنع أن يكون كل محافظة إدارية هي عبارة عن دائرة انتخابية واحدة وأن يعتمد نظام الكتل لأن نظام الفرد والتمثيل الصوتي و الفرد الواحد أثبت فشله في معظم التجارب التي تسعى إلى إبراز ممثلين للشعب.
واتبع د. عبد الرحمن حديثه بالدعوة إلى ضرورة انشاء هيئة مستقلة للانتخابات تحت إشراف قضائي فهذا مطلب و لا يجوز أن تشرف وزارة الداخلية على انتخابات ستفرز مجلس تشريعي مستقل. والدعوة إلى تشكيل المجالس المحلية التي أعلن عنها بالانتخاب الأمر الذي يسهل مساهمتها في تفعيل قضية المشاركة والتمثيل و توسيع نظام الحكم المحلي ليكون للبعد عن المركزية ولكي تتفرغ الوزارات للعمل الاستراتيجي و التخطيطي و تكون الإدارة في يد الإدارات المحلية.
واختتم برهام مداخلته بالتأكيد على أن قضية التطوير قضية مستمرة وأن هذه ليست فرصة وحيدة لوجود فرصة لمراجعة النظام الأساسي و أعتقد أن المدافعة هي سنة كونية و يجب على النخب أن تستمر في الدفع لعملية الإصلاح و أن تنتهج سبل متحضرة في هذا الأمر و متعقلة و لكن لابد من الدفع .
و عقب محمد الحجري على ذلك قائلاً بأنه عندما يمنح مجلس عمان الصلاحيات التشريعية والرقابية فمن أوجب الواجبات على هذا المجلس أن يناقش تلك القوانين المقيدة للحريات العامة و المتعلقة بحرية التعبير و من اوجب الواجبات لهذا المجلس أن يقوم بمهمته الوطنية تجاه إعادة صياغة هذه القوانين لأن حرية التعبير و الإعلام الحر و المسؤول الذي يعبر عن هذه الحرية هو الهاجس الحقيقي لأي توجه تطويري.
القفز فوق المجتمع
من جانبه قال خميس بن جمعه البلوشي:عندي بعض النقاط التي يجب أن نقف معها أولا أنا مع عدم القفز على واقع المجتمع و المجتمع العماني كلنا نحبه و خلال الفترة المنصرمة 40 عاما تغيرت فيه أشياء و التطلعات كثيرة و عدم القفز على الواقع نقطة مهمة كثيرا و أنا وقفت على أشياء في تعداد 2003 م و قفت أمامها مدهوشا بأن حملت الشهادات الجامعية يشكلون 4.5% من تعداد السكان فإذا أردنا أن نقود مجتمعا فعلينا أن نركز على تعليم هذا المجتمع فربما لاحظنا في نسب الباحثين عن عمل معظمهم من المتسربين من المدارس و حاملي الشهادة العامة فكيف يمكن أن تقود بهؤلاء الناس مرحلة تاريخية تؤسس عليها ممارسات و استحقاقات و النقط الثانية أنا أعتقد أن الحكم المطلق على تجربة الشورى في عمان في غياب الدراسات الحقيقية التي يجب أن تقوم بها المؤسسات المتخصصة في نوع من القسوة فأنا أدعو من هنا و الإخوان من المركز أن تتم دراسة حقيقية لتقييم التجربة بإيجابياتها و سلبياتها.
أما بالنسبة لموضوع الإعلام أنا أعتقد أن الإعلام لم يقدم شيء لتجربة الشورى و الممارسات التي تتم في المجلسين، وما يزال الخطاب الإعلامي خطاب نمطي و لم يخرج عن الخبر اليومي و لم يدخل في ممارسات المجلس و أنا أعتقد أن في المجالس هناك لجان و اللجان تمارس أعمال أكثر من موضوع استماع للوزراء و هناك مواضيع تحال و مواضيع تعالج و لكن الإعلام لم يقدمها و ما زال إعلامنا إعلام دوائر علاقات عامة يكتب الخبر ثم يصاغ و ترسل الصورة فالإعلام العماني لم يقدم شيء لتجربة الشورى و لم يضيف لها إطلاقا و أعطوني خلال الخمس سنوات أي محلل إعلامي دخل في جلسة عامة لمجلس الشورى و جلس و خرج بتحليل خطاب إعلامي حقيقي فيه هوية.
وبعد مادخلات المشاركين في الندوة عاد الباحثين للرد على ما جاء فيها. حيث بدأ الباحث أحمد المخيني بالحديث عن ما أثير في الندوة حول ما يتعلق بالتغطية الإعلامية مؤكدا أن القانون لا يسمح بدخول الإعلاميين إلى مجلس الشورى، فمداولات المجلس و وثائقه كلها سرية وعليه كيف نطالب الإعلام بإظهار ما يتم في هذا المجلس!!، ثم تطرق المخيني إلى دور المرأة ومشاركتها السياسية مؤكدا ضرورة مشاركتها وذلك من عدة منطلقات منها: الدلالة على البعد التنموي لمشاركة المرأة فيه بحسب اطلاعه أشار إلى أنه قد أثبت علميا أن مشاركة المرأة السياسية تبعد الفساد عن هذه المؤسسات، والنقطة الثانية تكمن في البعد العقلي والذهني للمرأة فهو مختلف ومكمل للبعد العقلي والذهني لدى الرجل في الوقت ذاته، وهذا من الضرورة بمكان مراعاته في الأبعاد التنموية، والنقطة الثالثة تتمثل في البعد النفسي والاجتماعي للمرأة فهي صانعة الأجيال الأمر الذي يحتم قيامها بدور كبير في تحديد كيفية صنع هذا الجيل، وأخيرا ما يؤديه دور مشاركة المرأة في عكس النضج السياسي للبلد الذي يتيح لها القيام بهذا الدور.
18 سنة
بعد ذلك تحدث عن سن الاقتراع مسيرا إلى أن من ميزات تخفيض سن الاقتراع إلى 18 سنة تكمن في أن هذه الفئة العمرية لديها رغبة في التغيير، بينما الفئة من 21-30 فربما انخرطوا في العمل ولديهم الرغبة في استقرار الأمور وبقائها كما هي عليه.
واختتم تعليقاته حول مناقشة المشاركين بالحديث عن دور العضو المنتخب للمجلس فليس من المطلوب منه أن يكون خبيرا قانونيا أو فنيا أو اقتصاديا، وإنما المطلوب إضفاء الشرعية الشعبية على القرارات التي يتخذها المجلس.
من جانبه أكد الشحري في حديثه على أهمية الثقافة القانونية حيث أكد على ضرورة نشر الوعي القانوني و الثقافة القانونية بجانب ثقافة احترام القانون، و التي بدورها تحتاج إلى جهود كبيرة و طويلة الأمد . ثم تناول نشر مفهوم المواطنة المسؤولة معللا ذلك بكوننا في مرحلة بناء و نحن و الحمد الله في الطريق الصحيح نحو هذا البناء .
ثم تطرق الشحري إلى ثقافة الحوار مؤكدا "أننا في أمس الحاجة إليها لأننا كمواطنين هدفنا واحد و إن اختلفت آراؤنا و قد أكدت هذه الجلسة هذه النقطة حيث إننا نختلف في بعض النقاط إلا أننا نمضي في هدف واحد" .
أما فيما يخص موضوع المجالس فأكد الشحري على الممارسات الموجودة في العالم الآن و أساليب العمل الموجودة حاليا ليس بالشيء المتقن لأنها في نهاية المطاف هي نتاج بشري، وعليه لا يرى مانعا من واقعنا الحالي أن مجلس الشورى يظل مفتوحا لكل من هو قادر للوصل إليه بإرادة شعبية و باختيار مباشر من الناس و ما الذي يمنع أن يكون المجلس الأخير منتخبا و لكن بمواصفات معينة و بذلك يتكامل مجلس الشورى المنتخب مع المجلس المنتخب بمواصفات وبالتالي سنخرج بمجلس عمان متكاملا و هذا أمر معمول به في العالم و له آليات تنسق العمل بين المجالس.


و بالنسبة بالجهة التي تحاسب مجلس الشورى استطرد الشحري:"هناك رقابة دستورية للمخرجات من هذا المجلس و كذلك هناك رقابة شعبية معتمدة على الوعي بالواقع تراقب العضو و تحاسبه قد تمنعه من الانضمام إلى المجلس في دورته القادمة ..
واختتم الشحري حديثه بالتطرق إلى مؤهلات العضو المنتخب لمجلس الشورى حيث قال:" لا تشترط في العضو المنتخب الشهادة فالخبرة و الإمكانات إلى لديه تكفيه و ما الذي يمنع عضو مجلس الشورى أن يستعين بالخبرات التي لا يمتلكها هو كالاستعانة بالجامعة و الجمعيات الأهلية وغيرها، و المطلوب هو أن تتغير ثقافة العمل في المجلس إضافة إلى تغيير بعض القوانين التي تضبط عمله و الأهم من كل هذا وعي العضو بدوره و بدور مجلس الشورى، أنني مؤمن بدور مجلس الشورى في السابق و الآن هو دوره أكبر و أوسع من ذي قبل و هو صمام الأمان للشعب.
من جانبه تناول الباحث يعقوب الحارثي الإجابة حول الاستفسارات التي تقدم بها المشاركون في الندوة، فبدأ بالحديث عن الرقابة المطلوبة على مجلس عمان مشيرا إلى أن المجلس بصورته الحالية لا يحتاج إلى مراقبة نظرا لأنه لا يمارس سلطة كبيرة، أما مجلس عمان المرتقب فتراقبه عدة سلطات: السلطة التنفيذية وهي سلطة السلطان، والسلطة الثانية هي السلطة القضائية المتمثلة في القوانين والدساتير، وهناك رقابة أخري يمارسها القضاء الإداري بالنسبة للأعمال الإدارية التي يقوم بها المجلس كجهاز سواء كان مجلس الشورى أو مجلس الدولة.
وفيما يتعلق بالقائلين بعدم قدرة المجتمع على صناعة التشريع، فيرد الحارثي: أن تترك للمجتمع الفرصة للممارسة وليحاول وليستفد من أخطائه، وهذا أفضل من أن نبقيه جاهلا في هذا المجال.
وأشار الحارثي إلى أن تمثيل العضو في الفترة القادمة ليس بالضرورة أن يقتصر على ولاية العضو وإنما نحن أمام مجلس تشريعي، بعدها أكد الحارثي- ردا على تساؤل حول حصانة الوزراء- أن القوانين العمانية لا تمنح أي وزير حصانة، وإن كان الواقع بخلاف ذلك، فلو ارتكب وزير ما جريمة وظيفية أو أية جريمة أخرى لا نحتاج إلى موافقة لمحاكمته بل يمثل أمام القانون كسائر المواطنين، وليس لهم جهة خاصة لمحاكمتهم.
وحول جدوى الرقابة على مجلس الشورى واستثناء مجلس الدولة، أشار الحارثي إلى أن إعطاء الرقابة لمجلس الدولة فكأننا نعطي الإدارة تراقب نفسها بنفسها، والمفترض أن تكون الرقابة لمجلس الشورى.


ثم تحدث الحارثي عن المرأة و وصولها إلى مجلس الشورى، مبينا أن الديموقراطية رأي الأغلبية سواء أكان الرأي صائبا أم خاطئا، هنا حين يرفض المجتمع مشاركة المرأة السياسية علينا احترام رأي المجتمع، ففي بلدنا عمان فرضت المرأة على المجتمع فرضا فمن أدخل المرأة في مناصب قيادية هي الدولة بغض النظر عن رغبة الشعب في ذلك أوعدمها.و قد ختم محمد الحجري الندوة بالتأكيد على المهام المصيرية للدورة القادمة لمجلس الشورى ليس فقط في ممارسة الصلاحيات التشريعية و الرقابية ، بل و في نقل حراك الشارع الذي لاحظناه في المرحلة المقبلة إلى حراك منظم ضمن المؤسسات الدستورية ،و أيضاً في إرساء أسس علاقة سليمة و متوازنة مع السلطة التنفيذية ، سائلاً الله أن يفتح أبواب المستقبل المشرق على مصاريعها ، مؤكداً بأن عمان التي لها هذه القيادة الحكيمة ، و تختزن كل هذه العقول النابهة التي تشعر بالمسؤلية الوطنية لا خوف عليها إن شاء الله ، لأن هناك دائماً من يفكر من أجل عمان و يعمل من أجلها وفاء بحقها عليه.

الجمعة، 10 يونيو 2011

تعقيب على محاضرة البروفسورة بربارا ميخالك

بسم الله الرحمن الرحيم
 
الأحد 8 / 5 / 2011م

أود أن أشكر البروفسورة بربارا ميخالك على هذه الفرصة التي أتاحتها لنا بلقائها ، و استماع محاضرتها القيمة التي أجملت المشهد الأدبي العماني المعاصر و وقفت أمام أهم عناصره سواء منها التقليدية أو الحديثة ، بأجناسه الأدبية المختلفة ، و بإنتاجه في سياقه العام أو ذلك الذي يرتبط بالإنتاج النسوي كنسق يستحق الالتفات ..
أود أن أشكر أيضاً أستاذي الدكتور محسن الكندي مدير مركز الدراسات العمانية على تكليفه لي بهذا التعليق على هذه المحاضرة القيمة ...

و لربما أبدأ مما انتهت به الأستاذة المحاضرة في إشارة خاطفة إلى هدف محاضرتها  حيث قالت : " وددت لو استطعت مساعدة القارئ الأوربي في التعرف إلى بعض الموضوعات ، و المؤثرات ، و الرموز التي تتسم بها هذه الإبداعات " و هو ما ألمحت إليه الأستاذة المحاضرة في مستهل محاضرتها أيضاً حين تحدثت عن هدف كتابها بأنه يرمي إلى ملء الفراغ في الدراسات الاستعرابية و الاستشراقية البولندية و الأوربية تجاه الأدب العماني .. إذن فإن الأستاذة المحاضرة توجه خطابها بالأساس إلى المتلقي الأوربي أو الغربي إجمالاً ، مقدمة له صورة إجمالية كاشفة للحالة الأدبية العمانية المعاصرة .. و هذا يقتضي بشكل تلقائي تعويلاً على منهجية وصفية من ناحية معالم المشهد و عناصره الأكثر بروزاً ، و من ناحية أخرى منهجية تاريخية "جزئية" للوقوف أيضاً على سياق التطور الفني الذي سار عليه الإنتاج الأدبي العماني بشقيه الشعري و النثري.
و بصورة عامة فإن الأستاذة المحاضرة لم تكن معنية ــ نتيجة  لهذا الاستحضار للمتلقي الأوربي ـ بتقديم رؤية نقدية بالمعنى المنهجي للكلمة ، بل بكشف و تقديم صورة عامة و إجمالية للحالة الأدبية العمانية المعاصرة ، و من هنا فإن الطابع الاحتفائي لمحاضرتها بالإنتاج الأدبي الذي درسته يأتي في هذا السياق ، الذي نجده جهداً رائداً في إقامة جسور التواصل الثقافي بين الثقافات المختلفة ، خاصة في هذا العالم المعاصر الذي تجاوز التواصل إلى التداخل ، و صار فيه البعد الإنساني العام للمعرفة و للثقافة و الفكر حالة يومية معاشة .  و من ناحية أخرى أجدني مشدوداً إلى تلك الفقرات التي توقفت فيها خاصة أمام تلقي الأديب العماني للمدارس الأدبية الحديثة بخلفياتها و مرجعياتها الفلسفية و كنت أود لو استطردت أكثر في ذلك ، إذ أن ذلك هو الوجه الأخر للعملة الذي تكشف فيه رؤية الآخر لك أو رؤيته لأدبك المتمثل لمرجعياته هو الحضارية ، كما تمنيت لو أن الأستاذة الفاضلة استطردت في تحليلها لجدلية التقليد و الحداثة خاصة لدى جيل الثمانينيات شعراً و نثراً ، و كذلك في الإنتاج الأدبي للمرأة التي خصصت له مبحثاً خاصاً.. فنحن أمام هذه الجدلية المزمنة التي لا يراد لا أن تنتهي في حاجة لرؤية الآخر ، و هو يرصد مخاض التحولات و إرباكها خاصة في البيئة العمانية النزاعة بحكم سياقها التاريخي إلى المحافظة أو المحافظة المنفتحة .. كما كان لمثل هذا التعمق ـ لو أنا حضينا به ــ أيضاً أن يختبر مقولة ترحيب الذائقة الغربية بالأدب العربي المنبثق تلقائياً من مكونه الحضاري الثقافي اللغوي ، و استهجان هذه الذائقة للأدب العربي الذي تبنى المدارس الأدبية ــ ومن ورائها الفلسفية ــ الأوربية و بشكل مفتعل في بعض الأحيان ، باعتبار أن الإنتاج الأدبي هنا هو صدى مراوغ للإنتاج الأدبي في الغرب ، و عندها يفقد قدرته على الإضافة للتجربة الإنسانية .. إن هذه المقولة واردة في مثل هذا المقام و كان من المناسب اختبارها خاصة مع النقاد الأكاديميين الذين يجمعون بين الثقافتين ، غير أن الأستاذة المحاضرة فضلت الاحتفاء بها باعتبارها انفتاحاً على التجربة الإنسانية العامة ، و تمثلاً لهموم الإنسان من ناحية ، و بالأدوات الإبداعية للأدب في العصر الحديث .
أود هنا أن أتوقف أمام عدد من النقاط المهمة و هو مفهوم المعاصرة فالدكتورة بربارا تستخدم في محاضرتها مصطلح " المعاصر" ،و تستخدم في كتابها ( الشعر و النثر في الأدب العماني الحديث ) مصطلح "الحديث" ، و رغم حاجتنا الماسة لتفصيل دقيق يضعنا أمام الفرق بينهما فالأول مفهومه زماني خالص يتعلق بالمعاصرة و المواكبة الزمنية ، و الثاني يحمل ظلالاً فلسفية و تاريخية فوق زمانية ، و على كل فإن الدكتورة في هذه المحاضرة بوحي من منهجها التاريخي استخدمت المعاصرة الزمانية النسبية ، و لذلك وجدنا أمثلة وافرة للتيار الشعري القديم "التقليدي" خاصة ، غير أن الأسماء الأربعة التي ساقتها لا تستوعب التيار التقليدي الذي لا يزال خصباً و منتجاً إلى الآن ، كما أنه تجاوز أسماء مهمة لشعراء مجايلين لهذه الأسماء كهلال بن بدر البوسعيدي ، و محمد بن عبدالله السالمي ، و أحمد بن عبدالله الحارثي ، و وسيطة بين هذه الأسماء و المدرسة الشعرية الحديثة كسالم بن علي الكلباني ، و هلال بن سالم السيابي ، و سعيد بن محمد الصقلاوي ، و علي بن شنين الكحالي ، و هلال بن سعيد الحجري و سيف بن محمد الرمضاني ، و غيرهم .
و لقد لفت نظري كثيراً أن المدى الزمني للمعالجة ( شعراً و نثراً ) يتراوح بين منتصف الأربعينيات و منتصف التسعينات ، و على ذلك فإن هذه المعاصرة ربما تحتاج إلى إعادة نظر ، فهناك أصول القريبة من هذا المدى الزمني كانت متدفقة العطاء و علامة فارقة في تاريخ الشعرية العمانية يقف على رأسها أبو مسلم الرواحي (ت 1920) ، الذي دار الشعراء العمانيون في فلكه ، و لا يزال إلى اليوم مجالاً خصباً للدراسات التوثيقية و النقدية و للشروح ، تاركاً أثره الكبير في الأجيال التي تلته ، كما ترك أثره صحافياً و قاضياً و فقيها و مصلحاً .  
كما يتصل مفهوم المعاصرة أيضاً بما تلا مرحلة منتصف التسعينيات ، من كثافة إنتاج أدبي شعري و نثري عززتها الملاحق الأدبية و الدوريات المتخصصة و المسابقات و المهرجانات ، سواء لأولئك الأدباء الذين رصدت الدكتورة باربرا ميخالك عطاءاتهم من تياري الأدب القديم و الحديث ، أو من ظهور جيل جديد شاب مع مطلع الألفية الثانية تميز بكثافة إنتاجه التي أعانت عليها تقنيات النشر الحديث ، و سهولة التواصل الذي أتاح الاتصال بالتجارب الأدبية العربية و العالمية بشكل أوفر و أعمق. مما صنع مشهداً لا يزال متداخلاً و مركبا تلمح فيه المكونات التالية :
* تيار الأدب القديم (خاصة الشعري منه)  الذي استمر في عطائه.
* تيار الحداثة وما بعدها الذي استمر في تطوير تجربته ، و بدأ يعود مرة أخرى إلى إعادة اكتشاف الذات و هو ما يعني ــ في نظري ــ  ملامح مساءلة للمنهج ، تمثل في إعادة قراءة التراث العماني و الاتصال به من جديد.
* الشعراء و الأدباء الشباب (تيار الألفية الجديدة) و الذي نكاد نجده متمرداً على المدرسية الجامدة و الالتزام المدرسي ، إذ أن بيئة مجتمع المعرفة مكنته من صناعة صيغة مزج و تعايش لافتة بين القديم و الجديد ، مع روح جديدة تعيد الاعتبار للتراث و ترفض القطيعة معه من ناحية ، و تتصل بكل آماد التجربة الإنسانية من ناحية أخرى ، و لذا فقد أصبح من السهل علينا أن نجد هذا النتاج المتنوع الذي يراوح بين عمود القصيدة و التفعيلة و قصيدة النثر، هذا على مستوى الشعر ، أما في جانب النثر (السرد) فالدكتورة تذكر مثلاً أمثلة من كتاب جيل الثمانينيات الذين يمثلون "التيار الواقعي" كسعود المظفر و حمد بن رشيد و علي الكلباني ، ثم تتحدث عن جيلي التسعينيات (بدايتها و نهايتها) الذي استخدم أدوات التعبير الجديدة بعيداً عن السرد التتابعي حسب تعبيرها ، أقول هنا بأن بعض كتاب الجيل الراهن قد بدأ يعود إلى نوع من الواقعية الجديدة التي تتصل بهموم الناس و المجتمع و حيواتهم ، و يأتي ذلك بعد نضج التلقي و التمثل لأدوات و تقنيات الكتابة السردية.
و أود أن أقف أيضاً أمام أول نقطة أثارتها الدكتورة و هي الحياة الثقافية في عمان حيث قالت "من الصعب القول بوجود حياة ثقافية أدبية في عمان قبل عام 1970 " ، إذ من الضروري أن نحدد المقصود بالحياة الثقافية الأدبية ، فإن الإنتاج الأدبي (شعراً و نثراً) لم يتوقف في عمان منذ أكثر من 1400 عام ، و يمكننا في العصر اليعربي (120عاماً) فقط أن نجد أكثر من 25 شاعراً ، و أن نجد ازدهاراً كبيرا في الإنتاج الشعري في الدولة البوسعيدية ، إن الحياة الثقافية الأدبية في عمان لم تتوقف حتى في أحلك ظروف التاريخ العماني ، فبعض أفضل الإنتاج العلمي و الأدبي من حيث الجودة و الشمول و العمق هو نتاج أضعف الدول العمانية و أكثرها تشرذماً و أقلها مركزية و هي الدولة النبهانية (ق5 – ق 10هـ).
أما إن كان المقصود هو الحياة الأدبية الحديثة التي يصنعها الإعلام الحديث و الصحافة ، و النظام التعليمي ، و المؤسسات الثقافية ، و ما يعتمل بين هذه المنظومات من تفاعلات ، يتجلى في مؤتمرات و ندوات و لقاءات و جلسات و مهرجانات و مسابقات ، فإن الحياة الثقافية و الأدبية بهذا المعنى هي حالة متنامية و متجسدة منذ عام 1970.
مع ملاحظة أننا قد نجد خلال مراحل التاريخ المختلفة نوعاً من هذا التفاعل الذي يمكن أن نسميه " حياة ثقافية أدبية " حسب الأدوات التي يتيحها كل عصر، و لعل هذا التفاعل النسبي هو الذي ولد ظواهر مهمة و واسعة الانتشار في التاريخ الأدبي العماني كالمعارضات و التخميس و القصائد المشتركة التأليف .
و مما يمكن ذكره في هذا السياق ما تفضلت به الدكتورة من ربط بدايات الإبداع النثري بظهور الصحافة العمانية بعد 1970م ، و على ذلك فإن هذا الارتباط ليس حديثاً جداً ، بل له جذوره التاريخية أيضاً ، فالصحافة العمانية ولدت في المهجر الإفريقي في بدايات القرن العشرين مع ظهور جريدة النجاح التي أسسها الشاعر الكبير أبو مسلم البهلاني 1911م ، ثم توالي الصحف الأخرى في الظهور و خاصة ، الفلق ، النهضة ، و غيرها من الصحف التي ارتبطت بتيارات سياسية ابتداء من منتصف القرن العشرين ، و قد أتاحت هذه الصحف للنثر العماني أن يظهر خاصة في شكل المقال و أن يتوسع  و أن يبرز له كتابه المحترفون كالشيخ هاشل بن راشد المسكري ، و السيد سيف بن حمود البوسعيدي و غيرهما، وهو ما سنجد دراسته الموسعة في أبحاث الدكتور محسن بن حمود الكندي على مستوى تحليل الخطاب ، وفي دراسة الدكتور عبدالله بن خميس الكندي في توثيق هذا الحضور.
و لعل هذه النقطة تشدنا أيضاً إلى ما لاحظته من تماه بين مصطلحي "النثر" و "السرد" لدى الأستاذة المحاضرة ، إذ يقدم السرد باعتباره صورة النثر الوحيدة تقريباً في كل مقارباتها التي تفضلت بها ، فلا نجد أثراً واضحاً للحديث عن المقال خاصة و أنه الشكل الأكثر التصاقاً بالصحافة .
و على ذلك فإننا نجد أن البروفسورة ميخالك ترى أن تطور الأعمال النثرية قصير نسبياً في عمان مقارنة بالتقاليد الشعرية ، و هي تقصد بالنثر هنا الأنماط السردية دون سواها ، و على ذلك فإن رؤيتها بهذا الصدد صحيحة فهذا النمط التعبيري بشروطه و سماته المعروفة هو حالة حديثة في الأدب العربي إجمالاً و في الأدب العماني أيضاً ، مع احتراز لابد منه يحتمه علينا احترام التاريخ الأدبي و المنهج و هو حضور "المقامات" و هي النمط القصصي المعروف الذي وجد في الأدب العماني أيضاً كما وجد في الأدب العربي عامة إذ نجد حضوره العماني عند محمد بن سعيد القلهاتي (ق5هـ ) و سعيد بن محمد الغشري و عبدالله بن علي الخليلي(ت 2000م) و أبي الحارث البرواني ، و ربما غيرهم .. فهو نمط السرد الأكثر بروزاً في التراث الأدبي العماني و العربي.
و أتصور أيضاً أنه عند رصد المشهد الأدبي العام فإننا نحتاج بالضرورة إلى اكتشاف الساحة النقدية ، لأنها جزء أصيل من هذا المشهد ، إذ أن هناك نشاطاً متزايداً في هذه الساحة سواء منها ما كان متابعات نقدية صحفية ، أو كان نقداً أكاديمياً متخصصاً ، فيما يقدمه النقاد العمانيون ، أو ذلك النقد الذي يكتب عن الأدب العماني من قبل النقاد العرب .
و ختاماً فقد لفت نظري ذلك الجهد الجميل للبروفسورة ميخالك في تلك الوقفات الخاطفة و المكثفة في آن واحد ، و التي تجمع بين الوصف و التحليل ، وهي تسعى إلى اختزال رسالة شاعر أو سارد ما أو قضيته الأساسية ، مع وصف سريع للمنهج و الأسلوب ، و قد نزلت أحياناً بهذه الطريقة لوصف نص ما أو رواية أو قصة ، و تلك العبارات المكثفة ربما كانت أسهل في وصف الصيغ التقليدية للأدب نتيجة لقربها للثبات ، بينما أجزم أنها احتاجت لجهد كبير لبلورتها لوصف أنماط الأدب الحديث (شعراً و نثراً) نظراً لحراكه و لغموضه و إفلاته من الرصد المنهجي الصارم.
و هذه الفقرات الموجزة المكثفة تأتي إسهاماً منها لرسم هذه الصورة العامة عن الأدب العماني لدى متلقيها الذي حددته هدفاً لجهدها الجميل .
أود في الختام أن أحيي البروفسورة بربارا ميخالك على هذه الفرصة التي أتاحتها لنا ، و أود أن أحييها على عنايتها الكبيرة بالأدب العماني و تقديمه للثقافات الأخرى ، إنها بعض صانعي جسور الثقافة و الحوار و التبادل الحضاري التي يقيض لها دائماً من يعتني بها خدمة للإنسانية و الثقافة و الفكر الإنساني .
مركز الدراسات العمانية
جامعة السلطان قابوس

الأربعاء، 13 أبريل 2011

عمان و د. محمد العوضي في مقال له : نافق... أو... وافق... وإلا ففارق!!

قبل أيام كتب الصديق الشيخ الدكتور محمد العوضي مقالاً في جريدة الرأي الكويتية في عموده "خواطر قلم " رافضاً فيه لغة الاصطفافات المذهبية التي تطفوا إحياناً على السطح خاصة في هذا الطور الحرج الذي تمر به أقطار أمتنا ، و المقال انطلق من جهده النبيل و الدؤوب لتبديد المذهبية المنغلقة التي يدفع بها البعض ، و إعلاء قيمة التعايش و التعاون ، و تقديم عمان كنموذج لهذا التعايش و الانسجام الذي نسعى جميعاً لترسيخه و نقل تجربته إلى سائر أقطار أمتنا ، و هو يعرج على منطق الرفض لثقافة التعايش و الإنسجام الذي يطلب منك إحد خيارات ثلاثة : نافق ، أو وافق ، و إلا ففارق ، و الذي نراه ينتقل اليوم للأسف إلى مجالات خلاف أخرى تتعلق بالرؤى السياسية و الاجتماعية أيضاً.
إليكم المقال :
قبل أربعين يوما تقريبا اتصل بي من العاصمة العمانية مسقط الشيخ محمد الحجري وهو موظف في ديوان البلاط السلطاني، يعتب على القنوات الدينية التي أخذت خط مناقشة المذاهب الاخرى وقال لي هناك برنامج لأحد الدعاة خص فيه المذهب الاباضي بسلسلة حلقات، قال الحجري ومثل هذه الدروس في الاعلام تحدث بلبلة وتزيد نزعات التعصب، ونحن لا نمانع من الحوار ولكن المكان والجمهور والظروف والاسلوب كلها اعتبارات يجب ان تكون في الحسبان عندما نتناول قضايا تمس عقائد الناس ومذاهبهم... ولقد تفهمت اتصال صديقي محمد الحجري والذي كان الوسيط في استضافتي بمسقط لالقاء سلسلة من الدروس واللقاءات التلفزيونية، ويجب ان أُوضح ان المذهب الرسمي في دولة عمان هو المذهب الاباضي، وفي عمان ترى السنة يصلون في مسجد الاباضية والعكس صحيح.. ولا توجد مشاحنات وتوترات كما نراه في البيئات التي يكون الشيعة والسنة أو المسيحيون والمسلمون هم المكون الاجتماعي الأغلب... وبعد انتهاء المكالمة تواصلت واتصلت وبحثت عن صاحب العلاقة المباشرة لقناة (...) التي بدأت بسلسلة حلقات نقد المذهب (الاباضي) وأصلت نصيحتي ومنهجي حول هذا الطرح لبعض الوسطاء كي يقوموا بنقل قناعتنا وطلبنا، وقبل اسبوع أو أكثر تناولت الغداء في الكويت بحضور عضو هيئة كبار العلماء في السعودية الدكتور الشيخ عبدالله المطلق وعرفت ان أحد أقطاب القناة (...) المعنية موجود فذكرته بتلك الحلقات فقال لقد أوقفناها، والفكرة التي أريد ايصالها هي ان الحوار والنصح هو الوسيلة المثلى لتغيير المفاهيم والتأثير الايجابي في الآخرين، ولكن وألف (لكن) أين ومتى وكيف ومن وبأي طريقة واسلوب مع مراعاة الشريحة المستهدفة والهدف الكلي والاولويات وعشرات وعشرات المتطلبات والعناصر التي تحقق الموضوعية النسبية وترجح المصلحة على المفسدة؟. اننا نعيش لحظة تاريخية سياسية صراعية حرجة معقدة استطاعت اتجاهات وقوى خارجية وداخلية ان تربك المجتمعات وتمزقها وتؤصل الفرقة والاستقطاب الطائفي والمذهبي بشكل غير مسبوق... وإذا خرج من يتكلم بالحكمة والمنطق فإنه سرعان ما يستبعد أو يصد عنه الناس لأنه يكون مخذلاً أو متساهلًا! وسألني أحدهم أين النخبة أين المفكرون؟ قلت: المفكرون في كثير من الظروف التي يغلب فيها الخطاب العاطفي الجماهيري يتحولون الى عوام!! لأنه كي تجد جمهورا يستمع إليك يجب ان تستسلم لشعار (نافق أو وافق وإلا ففارق)، فماذا تختار وهل من بديل عن هذه الثلاث المهلكات؟.

الثلاثاء، 5 أبريل 2011

عمان .. الإصلاح .. و داعي الرشد .. جريدة عمان ، 5 إبريل


في الأوضاع المضطربة تمحيص للأفكار و الأشخاص و النظم ، و في حالتنا العمانية رأى الجميع كيف حدث هذا التمحيص في الدولة و في الشعب ، فمحص الأشخاص و اختبر الإخلاص و اختبرت الوطنية و امتحن الوعي و محصت القدرات و اختبرت المسؤولية و محصت الأفكار و أيها الجدير بالبقاء و أيها الجدير بالزوال ، و اختبر التواقون إلى الإصلاح تنظيراً و عملاً " وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض". إنها حركة المنخل المضطربة التي تسقط ما تسقط و تبقي ما تبقي .
و غايتنا جميعاً لهذا الوطن أن يمكث ما ينفع الناس في الأرض  ، و أن يستقر العدل في الأرض و الأمن في النفوس ، و أن نتعهد الأرض و أن ننشر فيها داعي الخير و الحق و الحكمة و صوت العقل و الرشد ، و الولاء و الانتماء الحق المتمسك بالصدق و الصراحة و بالوعي .
 في الأوضاع المضطربة يتأخر الرشد لدى البعض و تتقدم العاطفة ، يغيب الرشد أو يغيّب ، و يدخل البعض صناديق مقفلة تحجب رؤيتهم للعالم ، و لسنن التغيير، و تغشى البعض طمأنينة خادعة ، و بعضهم حين يغالي في رفض الواقع يضعف أو ينعدم اتصالهم به . و يكاد أن يكون الأمر حينها و كأن هناك خياراً بين الفكرة و الوطن .. فإذا ما تشبث البعض بالفكرة، فإن علينا أن نتشبث بالوطن ، و طناً تبذر فيه غداً كل الأفكار الجميلة، كل بذرة في موسمها من أعمار الشعوب و الأمم و الأوطان .
مهمتنا جميعاً في هذه الأوضاع أن نستعيد الرشد و أن نعيده إلى غيرنا و أن نبث روح الرشد و كلمة الحكمة .
في الأوضاع الملتبسة ليس هناك حق صرف و ليس هناك باطل صرف ، هناك ما هو أقرب للعدل و أقرب للتقوى ، و هناك ما هو أقرب للباطل ، و كثيراً ما تتحول البطولة إلى باطل ، و من يظن أن التصرف لابد أن يكون دائماً مثاليا في الأوضاع الاستثنائية فهو كمن يتوقع رداً مثالياً على فعل غير مثالي.

ما أحوجنا اليوم إلى من يعبئ النفوس بشعور المواطنة و شعور المسؤولية ، و يمسح على النفوس المتذمرة أو المجروحة زارعاً فيها الأمل بمستقبل لعمان أفضل و أجمل و أرسخ عدالة و ازدهاراً ، و لربما احتاج البعض أن نذكرهم بالفرق بين إنضاج الوعي و كشف الحقائق ، و بين  لغة الاصطفافات و ثقافة الضدية و التهييج التي مارسها البعض، تلك المبنية على توهم العداوة أو صناعة وهمها!!
فلنواجه أصوات التهييج ، بصوت العقل و داعي الحكمة و روح الالتزام الوطني ، و لنواجه شعور التذمر و القلق بصوت الأمل بعمان و مستقبلها ، و هو ليس أملاً موهوماً أو برقاً خلباً!! ، كيف و وطننا يتوفر على كل إمكانات البناء و تجديد النهضة ، يمتلك قيادة تاريخية آمنت بالإصلاح ، و شعباً يتطلع إليه ، و طاقة شابة ترغب في العمل ، و وحدة وطنية صلبة ، و روحاً وطنية في أوجها.
و هذا الوطن الذي واجه عام 1970م ــ بإمكانات دون الصفر ــ تحديات جعلت مصيره على المحك ، ومحيطا عالميا و إقليميا لا يرحم ، حين آمن العمانيون بوطنهم و بقيادتهم و بأن الغد القادم أفضل ، فهزموا الظلام بمشاعل الأمل ، هو القادر اليوم على صناعة التغيير و حركة الإصلاح بطاقات بشرية متحفزة  و إمكانيات مادية متوفرة .
و تأجيج الأوضاع و لغة التعبئة لا تدفع بالإصلاح الذي هو غاية الجميع ، فعندما يقلق الأمن يتراجع كل شيء و كل اهتمام ، و تتصاعد تلقائيا العناية بالأمن ، و تتراجع العناية بالإصلاح ، و لا أحسب أنها رغبة أحد ، و لكنه أمر تدفع إليه الضرورة ، ضرورة شعور الناس بالحاجة إلى نفي الخوف و استعادة الطمأنينة ، و على كل غيور على الإصلاح ــ إن كان مخلصاً له ــ أن يساعد على تعزيز الاستقرار حتى يتقدم الإصلاح إلى كل المرافق و المؤسسات و النظم ، هذا الإصلاح الذي يتكرر يومياً التأكيد على أنه الغاية و الهدف و الخط المرسوم .
و في الطريق إلى مواجهة التحديات الصعبة ، و دعوات الإرجاف ، و إلى بناء الأمل و الثقة ، و دخول مرحلة الإصلاح و تجديد النهضة لابد أن تنفتح أبواب الحوار على كل مصاريعها ، و بكل و سائل التلاقي المباشر و غير المباشر ، لتستوعب كل هذه الرغبة في التنفيس ، و كل هذا التطلع للمشاركة ، و لتبنى الشراكات الجادة ، و المبادرات المدروسة و لتمتحن الأصوات و الأفكار و لتمحص الرؤى ، و ليعلم من يريد الإصلاح ممن يريد المزايدة على مفهوم خاص به للإصلاح ، الحوار هو بعض ما نعتني به بأبنائنا و شبابنا و نحتويهم إيجابياً ، لا نعطيهم الأمل فحسب بل نعلمهم كيف يصنعونه؟ و كيف يصنعون طرق الحياة ؟
و نحن في كل ذلك لا نحتاج إلى مترجمين ، و لا إلى وسطاء ، و لا إلى محطات أجنبية تجعلنا جزءاً من لعبة الأمم ، لا نحتاج إلا أن نلتجئ و نتكئ على الوطن و ليس غير الوطن ، و مع الأمل الصادق نحتاج إلى الالتزام الذي يؤيده ، و إلى الإيمان بأن وطننا دائماً يملك إمكانيات تجديد نهضته .

كسبت عمان الإصلاح ، و ستسير فيه لأن الجميع يدرك أن سنن التغيير لا تستثني أحداً و لا شعباً و لا أمة ، و قدر قائدنا ــ حفظه الله ــ أن يقود التغيير مرتين ، و أن يتزعم حركة الإصلاح في مرحلتين فاصلتين من التاريخ ، و واجبنا أن نكون جزءاً من التغيير و الإصلاح و بعض محركاته و لبناته .