الاثنين، 25 فبراير 2013

حول مؤتمر الجمعية الاقتصادية السادس، حضور المعالجات الشاملة وافتقاد الحضور الشامل

نشر بجريدة الرؤية ص 8، في 25 فبراير 2013
    انعقدت في الأسبوع الماضي واحدة من أهم مؤتمرات هذا العام وهو مؤتمر الجمعية الاقتصادية العمانية الذي أضحى تقليداً سنوياً ينتظره المختصون والمهتمون على السواء، ومن يتابع مؤتمرات هذه الجمعية يدرك تماماً مستوى المهنية و الشمول و الجهد الموضوعي الذي يصنع مؤتمراتها وندواتها، حيث ركزت كل مؤتمراتها على أهم مفاصل التفكير الاقتصادي الذي يحتاجه الوطن في المرحلة الماضية والراهنة بدءاً من "الاقتصاد الجديد" ثم "الحوكمة والتنافسية" ثم "المساءلة والشفافية ودورهما في تنمية الاقتصاد الخليجي" ثم "فرص وتحديات التنمية المستدامة في دول الخليج" و" التحولات الديمغرافية وسوق العمل" و "التنمية المستدامة بين التخطيط و الواقع" الذي كان المحور الرئيسي للمؤتمر السادس هذا العام،ومن يحضر هذه المؤتمرات يدرك أنها موجهة للرأي العام و لصناع القرار وللمخططين الاقتصاديين أكثر من توجيهها للمختصين الأكاديميين أو لرجال الأعمال أو لدوائر الاقتصاديين المغلقة، ذلك لأن معالجاتها من الشمول بحيث يخرج المرء بقناعة مفادها أن التنمية بكل تجلياتها وأبعادها الإنسانية والاجتماعية يجب أن تكون هي الهم الأول للاقتصاد الحقيقي، وأن تشويه رأس المال و النظريات الاقتصادية المنحازة له قد بدأ يتراجع أمام وطأة الكوارث الإنسانية والبيئية والمالية التي سببها حين لم ير في الاقتصاد إلا أرقاماً وإحصاءات ونظريات اقتصادية جامدة متبلدة الإحساس لا تلامس هم الإنسان و قضاياه المعيشة. إن المعالجات التي تطرحها مؤتمرات الجمعية سواء في عناوينها الرئيسية أو في المحاور وأوراق العمل والحوارات التي تثيرها هي في صلب الهم الإنساني وفي عمقه وفي شموله، حين تتصل بقضايا قد لا يخطر على بال المتابع من بعيد أنها تعني الاقتصاديين، فقضية التعليم وإصلاح المنظومة التعليمية حاضرة بقوة، ومسألة العلاقة بين اللغة العربية والاقتصاد مطروحة دائماً، والجانب القانوني التشريعي جزء من المحاور، وهموم البيئة وحفظها جزء من حسابات النظرية والتطبيق، هذا فضلاً عن القضايا المعتادة في أدبيات الاقتصاد كالحديث عن الطاقة والعمالة والإنتاجية والتنافسية والدخل والضرائب والدعم وغيرها، وهذا الشمول في المعالجة هو ترجمة حقيقة لفكرة "استدامة التنمية" التي أعادت الاقتصاد لجوهره الانساني وزحزحته من ضيق "النمو" إلى رحابة "التنمية"، وكل هذا حاضر في تفكير خبرائنا الاقتصاديين وهم ينظمون مؤتمرهم السنوي الذي غدا تقليداً يتداعى إليه أبرز خبراء الاقتصاد العرب والخليجيين، مع إصرار واضح على التمكين للباحثين العمانيين و تقديمهم للأوساط المتخصصة و المهتمة. أجل إنني أحترم المؤتمر السنوي للجمعية الاقتصادية العمانية لكل هذه الاعتبارات، ولاعتبار آخر مهم وهو العبور المباشر إلى صلب القضايا المحورية ــ بل المصيرية ــ بصراحة ووضوح بعيداً عن ذلك الإسراف في الإنشاء والدوران حول الحقائق التي قد تبدو مؤلمة، وتمييع كتل التحديات الصلبة بغمرها في الأحاديث الفائضة عن الحاجة! فالذي نحتاجه في هذه المرحلة أن لا نضيع الوقت في بذخ الكلام الفائض الذي يشتت انتباهنا عن الحقائق التي تحتاج لمواجهة وديناميكية؛ والصدق مع الوطن ومع قيادتنا التي تحدثت بشفافية ووضوح في "سيح الشامخات" يوجب علينا أن نعبر إلى صلب القضايا وجوهرها، وأن نكون في وضوح تلك الروح التي تحشد الإرادات والهمم لصناعة مستقبل أفضل وأرقى لعمان والعمانيين، وأن تكون ندواتنا ومؤتمراتنا مادة للتقدم للأمام ولصناعة القرارات ووضع البدائل وابتكار الحلول الابداعية التي يحتاجها تعقد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في منطقتنا، ويحتاجها تعاظم التوقعات وارتفاع الطموحات في مجتمعنا . لابد لنا من القول أيضاً أن المرء يفتقد في هذه المؤتمرات المهمة بعض المؤسسات التي كان جديراً بها أن تكون حاضرة وفاعلة، كما افتقدنا بعض المسؤولين الذين وضعت بين أيديهم مهام هائلة تحدد معالم المستقبل، ويغدو حضورهم ومشاركتهم في مثل هذه المؤتمرات تحقيقاً لعنصر الشراكة و التعاون بين الحكومة و القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني كما وجه جلالة السلطان المعظم في خطاب "سيح الشامخات"، وبدهي أن الشراكة والتعاون لا يتعلق بالتنفيذ فحسب كما قد يظن البعض، فالشراكة في التفكير والتخطيط والتشاور واستماع رأي الخبراء المتخصصين هي الأدعى لأن تكون هناك شراكة وتعاون في التنفيذ والعمل؛ وهذا الحضور الذي كنا نرجوه يتجاوز حتما ما اعتاده كثير من مسؤولينا من حضور احتفالي برتوكولي يكتفي بكلمات الجلسة الافتتاحية، فما طرح من القضايا في أهميتها بل ومصيريتها، وفي شمولها وتنوع زوايا النظر إليها يستحق متابعة أفضل ومشاركة أقوى، وما نتج من توصيات ومقترحات تمثل خلاصة التفكير الاقتصادي المتخصص يستحق تحليلاً ودراسة وتعاملاً بأقصى درجات الجدية منقبل أهم مؤسساتنا المعنية بالشأن الاقتصادي وصولاً إلى مجلس الوزراء الموقر، ذلك لأن هذا المؤتمر ــ كما أوضح البيان الختامي والتوصيات ــ قدم رؤية تتوخى الشراكة في التفكير والتخطيط لـ "عمان التي نريد" أي نريد جميعا.