الخميس، 27 ديسمبر 2018

حول محاضرة الدكتور محمود جبريل (رئيس وزراء ليبيا الأسبق) "قيادة المؤسسات في عالم جديد"

حول محاضرة الدكتور محمود جبريل (رئيس وزراء ليبيا الأسبق) 
"قيادة المؤسسات في عالم جديد" 
محمد بن سعيد الحجري
   التقيت بالدكتور محمود جبريل قبل عدة سنوات إبان زياراته المتعددة للسلطنة، خاصة زيارته التي ألقى فيها محاضرته حول التخطيط التنموي في عام ٢٠١٠ التي نظمها مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، وبعض زياراته التي أعقبت ذلك، وهو أحد مفكري التخطيط التنموي البارزين، وأحد الخبراء في هيكلة وإدارة المؤسسات، وقضايا التدريب. 

التقيناه مجدداً هذه المرة محاضراً ضمن برنامج المحاضرات العامة لجامعة مسقط، ورغم تقلب الأحداث وتواليها به وبوطنه ليبيا ابتداء من عام ٢٠١١ وما بعدها، إلا أن عمان وأصدقاءه ومعارفه فيها لا يزالون حاضرين في ذاكرته واهتمامه وحفاوته. 

حضرت محاضرته المعنونة بــ"قيادة المؤسسات في عالم جديد" ودونت بعض الملخصات والملاحظات حولها أنشرها هنا بين أيديكم، وهي لا تعبر بالضرورة عن آرائه بقدر ما تعبر عن قراءتي لما طرحه. 

محاضرة الدكتور محمود جبريل
قيادة المؤسسات في عالم جديد

جامعة مسقط، ١٩ ديسمبر ٢٠١٨م. 

1- نوّه د. جبريل في البداية إلى أهمية الأفكار التي طرحها Yuval Noah Harari  في كتابه: "العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري" الذي يبحث في تطور الحياة البشرية وصولا إلى الحالة المعاصرة للإنسانية التي احتلت فيها ثورة المعلومات هذا القدر الهائل من الأهمية، إلى حد أن أجهزة التقنية الحديثة وما تتيحه من تواصل ومعلومات أصبحت امتدادا للجسد الإنساني.


2- هذا بطبيعة الحال يلقي بظلاله ويؤثر تأثيرا شديدا على إدارة المؤسسات، بحيث أصبح المرؤوس يمتلك من المعارف والمهارات والقدرة ما يجعل تجاهله أمرا ًغير منطقي أو عادل لأي مؤسسة، ومن هنا فلابد من إشراكه في إدارة المؤسسة واتخاذ القرار، ولذا تتعاظم أهمية تحويل المؤسسات إلى نمط الإدارة الأفقية بدلا من نظام الإدارة الهيرارشي الرأسي.

3- التسارع الشديد في حركة المجتمعات الإنسانية يجعل من عدم الاستقرار هو أساس الحالة الإنسانية، فلم يعد من الوارد الحديث عن عدم الاستقرار،  لأن الأصل أصبح عدم الاستقرار، وعدم اليقين هو القاعدة، وقد نبه د. جبريل إلى استخدامه الكثيف ل "قد" وربما" لأنه يرى أن إطلاقية المعرفة في زمن اللايقين مجازفة خطيرة، وأن التمترس حول الفكرة في زمن التغير هو مخاطرة.
4- في ضوء ذلك تزداد ضرورة اكتساب قادة المؤسسات لمهارة التدفق المعلوماتي، ومعها كذلك لابد من اكتساب مهارة التعامل مع التعقيد والتداخل الذي هو سمة العصر.
5- مع ضرورة تحول المؤسسات إلى الأفقية، لابد من التوجه لمزيد من التفويض، فإذا لم يكن هناك تفويض يحدث الإحباط والمغادرة، ولابد من تقلص الخوف من خطأ المرؤوسين، فلا يمكن التعلم دون خطأ.(الله أعطى للبشر إمكانية الخطأ وشرع التوبة).

6- عناصر الإدارة الأساسية باقية كما هي، والإضافة الآن هو في اتساع العلاقة بينها.
القيادة الراعية هي القيادة التي تخلق صفاً آخر من القيادة، فالقيادة ليست وظيفة بل دور. 
هناك من يمتلك رؤية بقيادات تربي قيادات بديلة داخل هذه المؤسسات وهناك من لا يمتلك.
7- لابد من الإدراك بأن هذه المؤسسة هي مجرد لبنة في بناء الوطن.
8- هناك تحول في مفهوم التنمية التي لم تعد تنمية محلية، التنمية أصبحت عولمية.
9- ليست هناك مشكلة في توفر الرؤى في البلدان العربية، فهي متوفرة، كما أنها تتحول إلى استراتيجيات، ثم خطط، ولكن المشكلة في قدرة المؤسسات على تطبيق الرؤية، فقد تعمل المؤسسات وتنتج ولكن قد يفشل الاقتصاد الكلي لأنها إنتاجها لا يصب في نفس الاتجاه.
10- في بناء الرؤى لابد من اكتشاف الميزة التنافسية التي تبني الهوية الاقتصادية للبلد، فهذه الميزة التنافسية هي التي يقوم عليها الاقتصاد الكلي، وهو الذي تدور عليه كل الأنشطة الإنتاجية والتعليمية، وتطور المهارات البشرية على أساسه.
10- مفهوم القوة اختلف وأصبح بمعنى المعرفة. 
هناك أناس يقرأون التاريخ وهناك ناس يصنعون التاريخ وهناك أناس لا يصنعون ولا يقرأون التاريخ.
11- الموارد تختلف عن الإمكانات، وشرح الفرق بين الموارد والإمكانات. 

طرحتُ على الدكتور جبريل سؤالين: 
يتعلق الأول منهما بالإدارة وتحول المؤسسات إلى نمط الإدارة الأفقية، والتوسع في التفويض، وما نراه واقعا ًمن تعاظم القناعة بضرورة التفويض مع التفاوت الذي نجده في توجه المؤسسات إليه، فهناك مؤسسات تسارع من توجهها إليه، وهناك مؤسسات تتمنع وتتردد، ما يجعل جهود تسريع الإجراءات بلا جدوى كبيرة نتيجة لتداخل أعمال المؤسسات، والملاحظ أن هذا التلكؤ لا يرتبط بالمسؤولية بقدر ارتباطه بالمعاملات التي ترتبط بالمال والثروة، فما محفزات التفويض، هل هي في التدريب أم في النظم والقوانين، أم في المحاسبة والرقابة؟ وقد رد بأن هناك الكثير من أسس التفويض التي ترد في مراجع الإدارة، والأهم هنا مراعاة نطاق التفويض. 
والسؤال الثاني يتعلق بالاقتصاد الكلي والمزيّة التنافسية وتحديد هوية الاقتصاد الوطني، والمسار الاقتصادي القائد الذي تضعه الرؤى الاقتصادية الكبرى، هل يترك تحديده للاجتهاد الفردي أو حتى الجماعي؟ أم تحدده عوامل الموارد الطبيعية؟ والمناخ؟ وطبيعة المجتمع وتأهيل الفرد؟، أم الموقع الجغرافي؟.. الخ، وقد رد بأنه يحدد بتمييز النشاط الذي يمثل المزية التنافسية للاقتصاد، فهي التي تكشف ما سيضيفه هذا المسار للاقتصاد الوطني لو تم اعتماده.. 

إجمالا المحاضرة رغم وجازتها واختصارها كانت مهمة وجدية وتحمل عناوين عامة تحفز على مزيد من البحث والنظر والتعمق. 
شكرا لجامعة مسقط وللقائمين عليها.

رابط المحاضرة كاملة عبر اليوتيوب: 
https://www.youtube.com/watch?v=hGyocvNVv9U&t=3746s

الأربعاء، 26 ديسمبر 2018

المهلّب.. عمان التاريخية وجدل التاريخ والجغرافيا والقبيلة

المهلّب.. عمان التاريخية وجدل التاريخ والجغرافيا والقبيلة
 د. محمد بن سعيد الحجري.

جريدة الرؤية: الثلاثاء 15/مايو/2018م.

في  خضم الجدل الدائر حول قضية المهلب بن أبي صفرة من الخطأ بل من السذاجة القول بأنه جدل مفتعل أو مبالغ فيه، بل هو نقاش في صميم الشعور الوطني، لأنه نقاش حول ما يقدمه التاريخ للجغرافيا، فالتاريخ هو الذي يعطي للجغرافيا معنى أن تكون وطناً وهو الذي ينضج مفهوم الوطن، ذلك أنه في وجدان أي دولة وأي شعب تكون الشخصيات التاريخية هم رموز للسيادة الزمنية، كما أن الإقليم الجغرافي هو عنوان السيادة المكانية، والشخصيات التاريخية تمثل للأوطان رصيداً معنوياً وجودياً لا يمكن للأمم الحية أن تنازل عنه، مثلما لا يمكنها التنازل عن شيءٍ من الجغرافيا، ولتوضيح الأمر بالأمثلة فإن أمةً كفرنسا لا يمكنها التنازل عن نابليون أو جان دارك أو ديجول مثلاً، كما لا يمكن أن تتنازل بريطانيا عن ريتشارد قلب الأسد أو الملكة فيكتوريا أو شكسبير مثلاً، ولا يمكن لأمم أحدث كأمريكا أن تتنازل عن جورج واشنطن أو لينكولن أو روزفلت، ولا يمكنها أن تتنازل عن شخصيات علمية أو أدبية أثرت في تاريخها، سواء صنعته أو كانت نتاجاً له.


الشعوب الحية تدافع عن شخصياتها ولا تقبل المساس بانتمائهم، ولذا فإن الدفاع عن انتماء المهلب وشخصيته هو أمر طبيعي لشعب يقدر تاريخه ويحترمه، ومع أن النقاش حول شخصية المهلب ذاته محسوم لدينا بعمانيته، إلا أن سبب كل هذا التفاعل هو أنها لم تكن الحادثة الأولى ولن تكون الأخيرة على ما يبدو، وقد بلغ الأمر حداً لا يمكن التغاضي عنه أو التساهل تجاهه دون مواقف واضحة، فاليوم المهلب وغداً غيره، ولقد بقيت نقطة مهمة في النقاش تتعلق بالسؤال هل هو من دبا أم من أدم وهما بلدتان تاريخيتان عمانيتان؟ ودونما تفصيل أُحيل القراء إلى البيّنات التاريخية التي أدلى بها الشيخ أحمد سعود السيابي في حديث متلفز متداول ومنشور ففيها الكفاية والحسم بكونه من أدم، كما أدعو إلى العودة إلى كتاب "تاريخ المهلب القائد وآل المهلب" للشيخ المؤرخ سيف بن حمود البطاشي (طبع 1988م).

وهنا أرى أن نتجه بالنقاش إلى نقطة أخرى لعلها ثمرة لكل هذا الجدل وفيها يكمن ما يقدمه التاريخ للجغرافيا، *إذ في خضم كل ذلك عاد مفهوم عمان التاريخية الكبرى بقوة إلى الواجهة من جديد* ، وهو مكسب مهم وكبير، فتحتَ وطأة النقاش لا تجد كل الأطراف مفراً من العودة إليه باعتباره حاضناً لكل حراك الإنسان في هذه الجغرافيا الممتدة الشاسعة.

لكن مع العودة المهمة لمفهوم "عمان التاريخية" إلى الصدارة *بدا في بعض الردود والتعقيبات خلطاً تاريخياً فادحاً بين مركزية الدولة العمانية وبين حركة القبائل في بعض أطرافها، وكأن تلك القبائل كيانات موازية للدولة أو تشكل بديلاً عنها،* والحقيقة بأن المتأمل في التاريخ السياسي والاجتماعي العماني تتأكد له حقيقة النضج المبكر لمفهوم الوطن من ناحية وتطور الممارسة السياسية العمانية حتى داخل أطرها القبلية، إذ لم تكن القبيلة بديلاً للدولة أو كياناً موازياً لها في أي مرحلة تاريخية عمانية حتى في أقصى مستويات حضور القبلية، وعلى الرغم من أن التاريخ العماني شهد طوال فتراته جدلية الدولة والقبيلة، فكلما قويت الدولة ضعفت القبيلة، وكلما ضعفت الدولة قويت القبيلة، لكن القبيلة لم تكن كياناً بديلاً حتى في أضعف حالات التشتت والفرقة؛ فمفهوم الوطن العماني منذ أن تبلور مبكراً ظل صامداً في استمراريته التاريخية حتى في حالات ذبول الدولة وتشتتها ولفترات طويلة أحياناً، ولم يجد العمانيون في الكيانات القبلية بديلاً له؛ وتأثير القبيلة السياسي المنافس للدولة كما قلت كان مرهوناً إما بضعف الدولة أو بارتباط خارجي سياسي أو فكري، والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة جداً سواء في وسط عمان أو في أطرافها بنمو مشيخات قبلية أو انحسارها، والنتيجة في كل ذلك واحدة: تبقى الدولة وتتراجع القبيلة، ولعل المثال الذي أوردته بعض الردود والنقاشات المتمثل في "القواسم" هو برهان على ذلك، فشواهد التاريخ بل والتاريخ القريب (وما أكثر أدلته) يدل على عدم النجاح في تطوير كيان دولة بديل، بل كان كياناً تابعاً لدولة أخرى، مدفوعاً بعقيدة كراهية متعصبة وافدة ومفروضة أحياناً (انظر مثلاً في ذلك كتاب د. سلطان القاسمي، تحت راية الاحتلال، ص 5-7) وقد أدى كل ذلك في النهاية إلى تحويل الخليج إلى بحيرة قراصنة عانت منها شعوب الخليج وتجارته، ولعل من أبشع أمثلتها وأكثرها غدراً الحادثة الشهيرة التي أدت إلى مقتل السيد سلطان بن أحمد في عام 1804م وهو سيد الخليج يومئذ، بينما كان في إحدى جولاته في موانئ الخليج، في عملية واجهها السيد سلطان بشجاعة فذة وبطولة نادرة ضحى فيها بحياته (انظر في ذلك ابن رزيق، الفتح المبين، ج2، ص362-364، ط6)، وهي حادثة أدت إلى تغيير وجه الخليج فيما بعد، بل أدت في النهاية إلى انحسار قوة القواسم وتدمير موانئهم، كما أدت إلى ظهور قوة قبائل أخرى منافسة كالنعيم وبني ياس وغيرهم من مشيخات الساحل، والتي تختلف بعضها مع الأولى في الاتجاه والولاء، وظهورها كان كذلك بدعم من المركز العماني أي من الدولة العمانية لأسباب سياسية وفكرية، ومع ذلك كله فإنه حتى لدى شيوخ القواسم المتأخرين ــ فضلاً عن غيرهم ــ ظل الانتماء عمانياً وظلت المرجعية العمانية هي الأساس، وشواهد التاريخ والثقافة حتى القريب منها واضحة في ذلك، ولولا خشية الإطالة لأوردناها.

أما ما ورد في بعض الردود بشأن تصريحات الدكتور سلطان القاسمي حول مقاومة الساحل العماني للغزو البرتغالي فقد تم الرد عليها ومناقشة هذه التعليقات باستفاضة حينها في مقالنا المعنون بــ "الغزو البرتغالي للساحل العماني بين المقاومة والتحرير" المنشور في يناير 2015م وهو متداول ويمكن العودة إليه لتبين الحقائق، أو من خلال كتاب "مذكرات البوكيرك" المنشور منذ أكثر من عشر سنوات (نشره المجمع الثقافي في أبو ظبي)، أو من خلال الكتاب المهم الذي نشر مؤخراً بعنوان "عمان والبرتغال في بحر عمان، الدين والسياسة" الذي جمع وثائق الأرشيف البرتغالي في16 مجلداً، ثم ترجمت إلى العربية والإنجليزية والبرتغالية الحديثة ونشرت في عشرة مجلدات قبل سنتين؛ *وخلاصة ذلك أن هناك كياناً تاريخياً هو عمان متشبثٌ باستقلاله وسيادته، قام بالمقاومة والتحرير من الاحتلال البرتغالي، والذي قامت به مدن الساحل والداخل العماني بأسرها هي حركة ضمن سياق هذا الوطن ككل لا باعتبارها كيانات جزئية* .

هذه النقاط تحتاج إلى استفاضة وتوسع وضرب الأمثلة عليها لتوضيحها أكثر، وفهم أبعادها في استنتاج خلاصات التاريخ والفرص التي يتيحها النقاش حوله وحول أعلامه، *والخلاصة الأهم هي أن هناك دولة مركزية تاريخية هي عمان لها استمراريتها التاريخية، وهناك قوى قبلية تظهر وتنحسر تبعاً لقوة الدولة المركزية ولعوامل أخرى، ولم تتمكن هذه القوى تاريخياً أن تكون بديلاً عن الدولة.* 

الأربعاء، 15 فبراير 2017

من ثمارِهم تعرفُهم، تعليقاتٌ حول نقد الخطاب الديني في عمان

هذه تعليقات خاطفة حول ما أثير ويثار تجاه الخطاب الديني في السلطنة ضمن ردود الفعل التي أثارتها محاضرة الدكتور عدنان إبراهيم والحضور الكبير لها في جامعة السلطان قابوس، وما وصفه البعض بفشل الخطاب الديني والمؤسسة الدينية في مخاطبة الشباب وإثارة اهتمامهم، ومع أن هذه التعليقات تناقش بعض ما نشر مؤخراً، إلا أنها تناقش كذلك جملة من الآراء التي انطلقت وتنطلق بين حين وآخر ناقدة للخطاب الديني، وعديد منها في نظري مقولات تعميمية مأسورة لأحكام مسبقة جاهزة أنتجت آراء غير منصفة تجاه خطاب لم يعرف قط إغلاقاً لباب الاجتهاد على مدى تاريخه، ورسّخ التمييز بين مسائل الدين ومسائل الرأي وانفتح على كل مدارس الأمة وتقابس معها، وأثمر مجتمعاً متسامحاً متعايشاً يشع بتجريته ويلهمها لغيره. 
 والصفة التي أقدم بها هذه النقاط هي صفة شخصية فحسب أجدها مسوغة باتصالي بمؤسسات العلوم الشرعية طالباً ومتعلماً، أو من خلال متابعتي للندوات والمؤتمرات العلمية الدورية المتصلة بدوائر العلوم الشرعية، أو ممارساً للخطابة المنبرية خلال العشرين عاماً الماضية، والخطابة وشؤونها بعض ما أثارته تلك المقالات.
* ما مصطلح "الخطاب الديني" أو "المؤسسة الدينية" التى درج الكثيرون على استخدامها إلا مقاربات تحاول دراسة الواقع وتحليله، وهي مقاربات غير دقيقة في أصلها لأن مفهوم المؤسسة الدينية في صورتها الكنسية والخطاب الديني في صورته اللاهوتية غير موجود في الإسلام من حيث الأصل، وما يجري هنا هو استدعاء هذه المصطلحات مع ما تحمله من إيحاءات إضافية لا تتصل في الأصل بحالتنا الإسلامية، وإلا فإن كل خطاب ينشر الخير ويواجه الشر أو يعمر الأرض ولا يتعارض مع منهج الله هو خطاب ديني، ولكن استخدام هذا المصطلح جرى على الألسن مع ما يسببه من التباسات ومفارقات.
* المفارقة هنا أن حدثاً جماهيرياً نادراً مثلته محاضرة الدكتور عدنان إبراهيم ومثيلاتها من محاضرات الدعاة المشاهير قرئت في اتجاه عكسي يشنع على "الخطاب الديني" في عمان بأنه خارج العصر وغير قادر على إقناع الشباب أو اجتذابهم، وأقول إنها قراءة عكسية، لأن مجمل الفعاليات التي انتظمت وتفاعلاتها يقتصي الإنصاف أن تحسب للخطاب الديني في السلطنة لا عليه، لأن البيئة المنفتحة الحاضنة لها هي صنيعة هذا الخطاب الديني وتحت إشراف المؤسسة الدينية، ومن نظم هذه الفعالية ومن رتب لها هم بعض الفاعلين في "الخطاب الديني" و"المؤسسة الدينية"، ومن حضرها هم كذلك في غالبيتهم طلاب الخطاب الديني ومن يعتني بالفكر الديني، وكان ينبغي أن تقرأ باعتبارها دلالة على سعة أفق الخطاب الديني وترحيبه بالأصوات المؤثرة المجددة المستنيرة حتى وإن كان هناك اختلاف معها في بعض الآراء، وأذكر هنا أن أول نقاش جرى مع الدكتور عدنان إبراهيم في يوم وصوله ــ وكنت جزءاً منه ــ دار حول مجموعة من القضايا كان العديد منها خلافياً، ومع ذلك كان نموذجاً في الرقي والتفاهم والتوافق والاختلاف الحضاري، فكيف نجعل من ذروة النجاح ومنتهى تمثل وتطبيق مبادئ التفاهم والاختلاف الراقي عنواناً على فشل الخطاب الديني؟!! أقل الإنصاف أن نشيد بهذه الناحية وننوه بها!
* هناك أمران أصبحا محط إعجاب العالم بنا ويمثلان في نظري مصدر "القوة الناعمة" لعمان اليوم، وهما سياسة السلطنة الخارجية والاحترام الدولي الكبير لها، ووسطية خطابنا الديني واعتدال وتوازن أدائه، فمثلاً لا يكاد يوجد الآن تجمع لعلماء المسلمين من كل مدارسهم إلا ندوة الدراسات الفقهية بمسقط التي تنظمها "المؤسسة الدينية"، ولذا أتساءل صادقاً: كيف نتهم خطابنا الديني بالتخلف وهو مثار إعجاب العالم؟! ولا أعرف كيف نهاجم المؤسسة الدينية وهي ركنٌ ركينٌ في سلامة رؤيتنا للعالم ونقاء رؤية العالم لنا!! وركنٌ أساس في حفظ استقرارنا ووسطيتنا، وهي التي رسخت رفضنا لنزعات التكفير والغلو والطائفية والإقصاء التي غرق فيها العالم الإسلامي، ألا نذهب بذلك إلى إضعاف عوامل قوتنا وتميزنا؟!
* كثيراً ما نسمع عن مصطلح "التابو" و"كسر التابو" الذي لا يخلو منه مقال أدبي أو نقدي، وجرى في الخطاب الأدبي كما تجري كلمة "الاستراتيجية" في أدبيات الإعلام حتى أصبحت تطلق على كل خطة، ولربما ستطلق قريبا حتى على قائمة التسوق من بقالة الحيّ!!.. فماذا نقصد بــ"التابو" وهي كلمة بالمناسبة تسربت للغة الإنجليزية من لغات بعض القبائل البدائية "البولونيزية" في إستراليا، ثم أصبحت تطلق على المحرم، وفي الخطاب الأدبي كثيراً ما تتجه إلى: المقدس، المحرم، التقليد الاجتماعي، الممنوع الاجتماعي، وفي كل الأحوال هل نطلب من خطبائنا "كسر التابو" بأي معنى من المعاني السابقة؟؟!! هل مهمة الخطيب الديني هي إضعاف "الخطاب الديني" القائم على المقدس؟! أو تجاوز المحرم الذي هو حدود الله "ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه"، أم هدم التقاليد الاجتماعية أو الممنوعات الاجتماعية والإيجابي الغالب فيها قائم على أساس أخلاقي أو ديني؟!! الذي أعلمه من مهمة الخطيب هو تمكين الإيمان بالمقدس، وإنعاش الوعي الأخلاقي، وتعزيز القيم، وحتى في نموذج عدنان إبراهيم وجدنا ذلك بجلاء، عدنان إبراهيم ــ مع حجاجه وجدله العقلي والنقلي ــ في خطابه مسحة إيمانية عالية ورفض عارم للإباحية وتشديد على إعادة الاعتبار للقيم، إنه عملياً يرسخ ما يسمونه بــ "التابو" ولا يكسره، ولا يشغب على ذلك بعض الآراء التي لم يكن بدعاً فيها بل سبق إلى كثير منها.
* في قناعتي أن تميز واحترام خطابنا الديني ليس في انفتاحه واعتداله فحسب، بل في انضباطه كذلك ونظامه، ومن هنا لا بد أن نعلم أن "الخطاب الديني" هو أمر بالغ الأثر لأنه حديث عن مراد الله من نصوصه حسب اجتهاد عالم أو فقيه، ولأن له سلطة على الأرواح والعقول لا تكاد توازيها سلطة، وهو كذلك علم له قواعده وأصوله، إنه ليس تعبيراً جزافياً ولا نصاً إبداعياً أدبياً متفلتاً من رقابة النقد وقواعده، ولأنه يوجه للإنسان المكلف بترسمه ولأنه يراعي حقوقه، إنه علم له نظامه وتقاليده وأصوله، ومن هذين المنطلقين وبقدر رسوخهما يكون الخطاب الديني منضبطاً وسليم الأداء، ومن هنا نتسائل: أليس تنظيم إقامة الجمع أمراً سليماً؟ وما الذي سيؤدي إليه فتح الباب على مصراعيه لكل من يرغب في إقامة جمعة مثلاً دون ضابط أو نظام، ونتسائل كذلك: هل إطلاق الأمر لاعتلاء المنابر لكل راغب يحقق المصلحة!؟ وماذا ستكون النتيجة؟ أليس فتح هذه الأبواب بلا نظام أو ضابط هو الذي دمر المجتمعات وضلل العقول ونشر التكفير باسم الله ودينه؟!! قد نتصور واهمين أن المصلحة اليوم في أمر ما وقد نكسب خطيبين أو ثلاثة ولكن فوضى الخطابة العارمة أمر جد خطير.
*من ناحية أخرى لو ناقشنا الدعوة إلى ارتقاء المهندسين والأطباء والمتخصصين العلميين للمنابر وممارسة الخطابة، لتساءلنا وما المانع طالما امتلك أي منهم مؤهلات الخطابة والمعرفة الشرعية الكافية؟!، وهو الواقع المطبق حسب ما أشهد، فعلى سبيل المثال أجد في ولايتي بدية بجُمَعها السبع خطباء متنوعي التخصصات وهم في حدود 15 خطيباً: اثنان منهم من تخصص الهندسة (أحدهما له ثلاثة مؤلفات في دراسات العقائد والنصوص الشرعية) والآخر يدرس مع الهندسة العلوم الشرعية في آن واحد، وعدد كبير منهم من التخصصات التربوية، وبعضهم من تخصص اللغة والآداب، وبعضهم من تخصص الإدارة، وأحدهم من التخصصات الطبية، وبعضهم متخصص في العلوم الشرعية، وعدد منهم يحمل شهادتي الماجستير والدكتوراه، وكل هؤلاء باستثناء ثلاثة أو أربعة ليسوا من الكوادر الدينية الرسمية!! إذن أليس هذا متاحاً وحاصلاً؟! أما القدرات الخطابية وأساليب العرض فكلٌ وملكاته وتطوير قدراته؛ وكل راصد لمحتوى الخطب المنبرية في الجمعات سيلاحظ أن المحتوى الأخلاقي هو الذي يحتل الصدارة أكثر من أي محتوى آخر، وهو تأكيد على أن البناء الأخلاقي هو الأساس في هذه المرحلة، لكن المساجد جزء من هذه المنظومة وليست كلها.
* من المفارقة أن ينظر البعض للمؤسسة الدينية على أنها عنوان على التراجع متجاهلين إنجازاتٍ كان لافتاً أن تتقدم "المؤسسة الدينية" بها، خاصة ما يتصل بالتقنية والتطبيقات الذكية على الهواتف المحمولة وهي أدوات الشباب ووسائل تواصلهم والتي حاز بعضها على جوائز دولية، أو برنامج التعليم عن بُعد الذي يضم آلاف الطلاب العمانيين وغير العمانيين، أو برنامج المكتبة العمانية مثلاً، أو معرض رسالة الاسلام في عمان الذي طاف أكثر من 160 مدينة حول العالم، أو تجربة مجلة التسامح - التفاهم بكل ما مثلته من تنوير واستيعاب للأفكار ولصيغها الحديثة، لا أعرف كيف نتجاهل قراءة ذلك؟! هل هذه علامات تقدم وانفتاح أم تراجع وانغلاق؟! وفي كل الأحوال ومهما وجه من نقد فإن الإنصاف يقتضي أن نشهد بالحق، فليس ثمة شيء كالتعميمات الجزافية يضر بالحقائق.
* أمام كل ما يثار من ضجيج تجاه "المؤسسة الدينية" شهدنا مثله في بعض الندوات المتصلة بالمرأة والتي نظمها بعض "الحقوقيين" مثلاً حيث نجد إشارات مترادفة للبحث عن كبش فداء في أي تأخر، فيحمل البعض الخطاب الديني المسؤولية أو يندد البعض بهيمنة "المؤسسة الدينية"، وطالما قلنا وسنظل نقول: أين وقفت المؤسسة الدينية ضد حركة المجتمع أو تقدمه!؟ هل عارضت تعلم المرأة؟ هل عارضت عمل المرأة؟ هل وقفت ضد قيادة المرأة للسيارة مثلاً؟ هل عارضت دخول المرأة لمجلس الشورى أو الدولة مثلاً؟ في الحقيقة لم ينشئ الخطاب الديني ولا المؤسسسة الدينية كوابح تعرقل حركة المجتمع؟ ومضى المجتمع متقدماً في مسارات ترددت أمامها مجتمعات أخرى، لقد كان لافتاً للنظر مثلاً أن قانون الأحوال الشخصية وهو القانون الأهم المنظم للشأن الأسري لم يتبن بعض آراء "المؤسسة الدينية" وتبنى آراء فقهية أخرى في عدد من الحالات المتعلقة بالطلاق، ومع ذلك لم تعترض ولم تصر على الأخذ برأيها، وفضلت أن تترك في القانون سعة للآراء الأخرى مراعاة لمصلحة المجتمع، وكفى بذلك انفتاحاً؛ أما أن تدافع المؤسسة الدينية والخطاب الديني عن المقدسات أو تذكر بقدسيتها أو تبشر بها فذلك واجبها وتلك مسؤوليتها، وسنلومها جميعاً لو قصرت في ذلك، لأن هذا الأمر متصل بهوية المجتمع وقيمه الكبرى.




* أود أن أختصر المقال هنا: من يرى أن مشكلتنا في خطابنا الديني في نسقه العام وممارساته المستقرة المنتظمة فهو مخطئ، ومن يرى أن مؤسستنا الدينية سبب لتأخرنا فهو واهم، في الحقيقة أرانا متقدمين ومثار احترام العالم في هذا المسار، وليبحث من يريد عن المشكلة في مكان آخر؛ أما أننا نقول بأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، وأن هذا نهاية المطلوب فلا نقول بذلك، ولا حتى من يديرون المؤسسة الدينية يقولون ذلك وفق ما أعرف، هناك دائماً مساحة واسعة لما هو أفضل، وطموح لما هو أحسن وأكمل، ويبقى الكمال غاية لا تنال، والنقد أي نقد يقتضي الإنصاف، وما كان العدل في أمر إلا جعله أجدر بالقبول والتسليم، والله لا يرضى الظلم لنفسه ولا لعباده.
والله الموفق لكل خير 

محمد بن سعيد الحجري

السبت، 25 يوليو 2015

حول الخطة الخمسية التاسعة، مشاركتي في التحقيق الصحفي لجريدة الوطن


حول الخطة الخمسية التاسعة

مشاركتي في التحقيق الصحفي لجريدة الوطن، جريدة الوطن، يونيو 2015م.

محلق "الوطن الاقتصادي" يفتح ملف الخطة الخمسية التاسعة بين الآمال والطموحات من خلال الالتقاء بالعديد من الاقتصاديين والأكاديميين والخبراء والمواطنين وصناع القرار في عدد من الحلقات وذلك للوقوف على العديد من الآراء والمقترحات حول الآليات والتوجهات التي يجب أن تأخذ بها الخطة الخمسية التاسعة وما هي الجوانب التي يجب رعايتها والعناية بها خلال الخطة القادمة وذلك من وجهة نظر عدد من الأكاديميين.
شارك في الملف:
د.سيف بن ناصر المعمري، أستاذ مشارك في كلية التربية بجامعة السلطان قابوس.
ود.المختار بن سيف العبري أستاذ مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة السلطان قابوس.
ومحمد بن سعيد الحجري مدير دائرة التخطيط الثقافي بمركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم.

*الخطة تأتي في ظروف استثنائية تتطلب رعاية أكبر بالجانب الاجتماعي والاقتصادي.
*وتنويع مصادر الدخل وتنمية الموارد البشرية وتحرير القطاع العام من البيروقراطية المتراكمة.
* سيف المعمري: التعليم وإيجاد فرص العمل والاستمرار في بناء المواطنة المسؤولة وإرساء دولة المؤسسات وانخفاض أسعار النفط أبرز تحديات الخطة القادمة.
*تشكيل حكومة كفاءات سيزيد من قدرتها على استثمار المقومات والفرص التي تزخر بها السلطنة.
* المختار العبري: يجب أن تضاف للخطة القادمة برامج عمل واضحة مع أطر زمنية قابلة للتحقيق ورفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة
* محمد الحجري: تنمية الإنسان وتوفير فرص العمل بحاجة إلى جهود مضاعفة دون أضرار اجتماعية أو اقتصادية.

تحقيق ـ يوسف الحبسي:
تستعد السلطنة للإعلان عن الخطة الخمسية التاسعة خلال الأشهر القليلة القادمة، حيث باشرت حكومة السلطنة منذ وقت مبكر بوضع اللمسات النهائية على برامج وأجندة الخطة من خلال الإطلاع على مطالب واحتياجات مختلف القطاعات الخدمية والاقتصادية والاجتماعية خلال الخمس سنوات القادمة 2016 ـ 2020 م والتي تعتبر السنوات الاخيرة ضمن الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني 2020م.
ويضع الكثير من المواطنين والمراقبين آمالا كبيرة بأن تحمل الخطة الخمسية القادمة طموحات وتطلعات الكثير من أبناء الوطن خاصة فيما يتعلق بتحسين الوضع الاجتماعي وتنويع مصادر الدخل والارتقاء بقطاعات أساسية كالتعليم والصحة والإسكان والضمان الاجتماعي وإيجاد فرص العمل ودراسة واقع السوق واحتياجات من الخدمات والأيدي العاملة.
ويؤكد العديد من الاقتصاديين والأكاديميين والمواطنين الأهمية الكبيرة للخطة الخمسية التاسعة كونها تأتي في ظروف اقتصادية استثنائية تتطلب رعاية أكبر وأوسع بالجانب الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي وضرورة أن يعمل القائمون على الخطة بقراءة كافة المتغيرات الاقتصادية والسياسية وتوظيف الإمكانيات التي تزخر بها السلطنة لتحقيق عوائد اقتصادية أكبر مستفيدة من الميزات التنافسية لقطاعات كالسياحة والصناعة والخدمات والمعادن والزراعة والثروة السمكية وغيرها من المقومات التي يجب توظيفها بشكل أكبر لتنويع مصادر الدخل واستغلال كافة الفرص الاستثمارية المتاحة وإعادة صياغة القوانين الاستثمارية وتسهيل الإجراءات وتشجيع الاستثمار وتحرير الاقتصاد.
وأكدوا أن من أبرز التحديات التي يجب على الخطة التاسعة مواجهتها: فصل الانفاق الحكومي عن الايرادات النفطية، تحرير القطاع العام من البيروقراطية المتراكمة، رفع كفاءة الجهاز الاداري للدولة، تطوير قطاعات تعتمد على التكنولوجيا في القطاع الخاص، تقليص حجم التجارة المستترة، تحسين وتوسيع قدرات الشباب العماني على ريادة الأعمال، تحسين قدرة الشركات العمانية على المنافسة دوليا ومحليا مع الشركات الأجنبية.
حيث قال محمد الحجري: إن منهج الخطط الخمسية الذي مضت عليه السلطنة مكن من تتبع تطور الخدمات التنموية ومن ملاحظة اكتمالها من عدمه، أعني أنه صنع منهجاً من الاستمرارية الذي يلح على مبدأ تحرك المجتمع للأمام وتعزيز المكاسب التنموية، والخطة الخمسية القادمة لها أهمية قصوى بسبب التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها المرحلة، وبسبب اقتراب السلطنة من الدخول في الرؤية 2040 بعد أن رأينا كيف سارت الأمور في 2020.

*بناﺀ الإنسان:
وأضاف الحجري: جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله - نبه في خطابه بمجلس عمان 2012م إلى أن الخطط الخمسية القادمة ستركز على التنمية الاجتماعية ومعيشة الإنسان بعد أن ركزت الخطط الماضية على البنية الأساسية، والتركيز على الإنسان ينطلق من كونه محور الارتكاز في الخطة القادمة، بعد أن أثبتت التجارب الاقتصادية كلها أن النجاح أو الإخفاق في ذلك هو الفيصل في نجاح دولة أو فشلها، فالنجاح في تنمية الإنسان يمكن أن يعوض أي نقص في الموارد والإمكانات، والفشل في تنمية الإنسان يمكن أن يحطم كل الإمكانات ويهدر الموارد ويحيل النجاح إلى فشل ذريع، وتجارب الشعوب واضحة أمامنا، تنمية الإنسان وصناعة الإنسان المنتج الفاعل عنوان واسع جداً تقع تحته عناوين فرعية كثيرة.
وأشار محمد الحجري إلى أن التحديات الماثلة كلها أو أغلبها يتصل بتنمية الإنسان بدرجة أو بأخرى، وكلها تحديات تفرض نفسها بقوة في ظل حقيقتين مهمتين وضاغطتين:
أولاهما انخفاض المداخيل القادمة من النفط.
وثانيهما ازدياد عدد الباحثين عن العمل الذين تتحدث توقعات خبراء الاقتصاد العماني عن مئات الآلاف منهم خلال الخمس سنوات القادمة. وهذه التحديات التي ذكرتها في ضوء هاتين الحقيقتين الضاغطتين تحتاج لجهد هائل لتجاوزها دون أضرار اجتماعية أو اقتصادية خاصة في ظل استمرار حالات التوتر السياسي في المنطقة والتي تؤثر على مناخات الاستثمار الاقتصادي، وهذه التحديات تحتاج لحكمة ودقة ورشد في استخدام الموارد المتاحة وتوظيفها في تعظيم العوائد، كما تحتاج لقيادات مؤسسية شابة ومؤهلة وممكنة، وذات حس عال بالمسؤولية، وتدرك التحديات وتواجهها ولا تتجاهلها، ودعونا نتذكر مسألة مهمة جداً هنا وهي أن جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ـ في أوامره بتشكيل اللجنة الرئيسية لإعداد الرؤية الاقتصادية (20- 2040) أمر ببناء تلك الرؤية على التوافق المجتمعي، وضمان المشاركة المجتمعية الواسعة جزءاً من مهمة تلك اللجنة، وهذه الشراكة مع المجتمع لها آلياتها وأبرزها إشراك ممثلي المجتمع من أعضاء مجلس الشورى والمجالس البلدية في التفكير لهذه الرؤية.
وأكد الحجري أن تنويع مصادر الدخل ظل هدفاً لم يتحقق، والمحللون الاقتصاديون لهم في ذلك نظرات معمقة، لكن الذي لا شك فيه أن التنويع الاقتصادي هو الذي كان سيقينا هذه الحالة من تقلبات الأسواق النفطية التي تمثل تحدياً هائلاً اليوم، وهذا التنويع والمضي سريعاً إليه ينبغي أن يتحول فوراً إلى حالة إنجاز مخططة ومراقبة ومتابعة، وهي حتماً لا تنتظر اعتماد الرؤية 2040 لأنها من الأهداف الرئيسية للرؤية (20-20) السارية الآن.

*تطوير التعليم:
وقال الدكتور محمد الحجري: إن تطوير التعليم هو تحد أساسي يفرض نفسه منذ زمن طويل، منذ أن أنجزت الأهداف الأولى للتعليم المتمثلة في مكافحة الأمية وتوسيع قاعدة التعليم وإنشاء الجامعة وغيرها، منذ أن تم ذلك وتطوير التعليم ارتكز على تطوير البنى والمرافق والمباني وهذا مع ضرورته ليس كافياً ما لم تتطور المنظومة نفسها، وتطوير التعليم قضية كل طرف يقذف فيها بالمسؤولية على الطرف الآخر، ودعونا نذكر أنفسنا بأن جلالة السلطان في خطابي مجلس عمان 2011 و2012 تحدث عن ضرورة مراجعة التعليم وتقييمه، والمطلوب أن نحقق هذه المراجعة والتقييم كما أمر جلالته، بحيث تؤدي إلى نقلة نوعية حقيقية، ووجود مجلس التعليم يضع ترساً أساسياً للتطوير والتحول، والمراجعة والتقييم تأتي أولاً ثم يأتي المضي نحو التطوير بناء على خلاصات المراجعة .. مشيراً إلى أن العنصر البشري والعناية به لها عناوين كبيرة في ذلك والجميع يتحدث عنها منها: 
تطوير منظومة التعليم الأساسي والعالي فلا يمكن بناء المكون البشري بمعزل عن نظام تعليم جيد على الأقل، كما أن الاستثمار في البعثات الدخلية والخارجية على أهميته لن يؤدي للنتيجة المرجوة ما لم تكن مخرجات التعليم الأساسي جيدة ومستعدة، وهناك تطوير قطاع مؤسسات التأهيل والتدريب، وهناك قناعة بأن مبدأً ثقافيا ينقصنا ضمن منظومة التأهيل والتدريب وإذا نجحنا في إيجاده فستسد ثغرات كثيرة، وهو الاعتناء بثقافة الاتقان والأمانة والجودة والمسؤولية في العمل وأخلاق العمل والإدارة وجعلها جزءاً من فلسفة الإدارة المؤسسية ومن منظومة التدريب، فهذه النقطة فارقة، إذ لدينا انخفاض واضح في حس المسؤولية وهناك موظفون لا ينتجون، وبعض رؤساء الوحدات والمؤسسات لا يتحلون بروح المبادرة المطلوبة في هذه المرحلة، ويشيعون جواً سلبياً متذمراً وطارداً للكفاءات، وهو ما يضعف من إنتاجية بعض القطاعات والوحدات، نقول هذا بصدق وشفافية مطلوبة في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى.

*القطاعات الاقتصادية:
وأشار محمد الحجري إلى أن أداء القطاعات الاقتصادية ومؤشراته له خبراؤه الذين يحب علينا أن ننصت لهم بحرص واهتمام بالغ، خاصة خبراء الاقتصاد العماني فهم يتحلون بروح مسؤولية عال ويتحدثون بمهنية وموضوعية عالية، وأعني هنا خبراء الجمعية الاقتصادية العمانية، والذين نحرص على حضور مؤتمراتهم ومحاضراتهم، وهم يضعوننا أمان تحديين رئيسيين هما: انخفاض عوائد النفط، وتعاظم أعداد الباحثين عن العمل، كما يؤكدون لنا وجود فرصتين كبيرتين هما: الموقع الجغرافي الاستراتيجي المهم والوسيط، والطاقة البشرية الشابة والقادرة على الإنتاج لو أحسن تدريبها وتأهيلها، والأهم من ذلك كله القيادة الحكيمة التي جعلت من السلطنة واحة للاستقرار والتعايش، ونأت بوطنها عن استنزافات الخصومات والتطاحن في المنطقة، وهذا كله يجعل السلطنة محجاً لكل الراغبين في السلام وفي التنمية وفي التعاون وتبادل المصالح وبناء الشراكات.
*التحديات والفرص والقوة الناعمة:
ويواصل محمد الحجري قائلاً: إن هناك فرصاً تقف أمام التحديات التي يحذر منها الخبراﺀ، وهي فرص توفرها الجغرافيا ويوفرها الاستقرار، وهذا كله لابد من استغلاله والبناء عليه وفتح الآفاق عبره، مؤكداً أن القوة الناعمة للسلطنة تزداد وتتعاظم، وحالة الثقة بمواقفها تبني ذلك، وبعض عناصر القوة الناعمة للسلطنة يأتي من مصداقيتها الأخلاقية ومن موثوقية سياساتها الخارجية ومن الاحترام الدولي العالي لها، وهذا يعطي فرصاً للاقتصاد ويوفر بديلاً آمناً وحصيناً لتبادل المصالح وللاستثمار وبناء الشراكات للمشاريع الكبرى، ولكن هذا يحتاج أيضاً للامساك بالفرصة والتحرك إليها وسرعة المبادرة، واستثمار آثار السياسات والمواقف التي برهنت دائماً على ثباتها.

الثلاثاء، 7 يوليو 2015

محمد بن سعيد الحجري يتحدث عن: الإنسان والأسئلة الكبرى: الوجود، الضمير، المصير.

ضمن درس رمضاني في المسجد الجامع ببلدة المنترب بولاية بدية، يتحدث محمد الحجري عمّا يمليه علينا مرور الزمان، وتعاقب المواسم؛ وما الأسئلة الكبرى الأهم التي يجب على الإنسان أن يواجهها وأن لا يتهرب منها، وهي أسئلة: الوجود، والضمير، والمصير، إذ هي الأسئلة التي تصنع التغيير في حياته، وتنقلها من مسار إلى مسار.
9 رمضان 1436/ 26 يونيو 2015م.


الجمعة، 17 أبريل 2015

بديّة تودع عالمها ومؤرخها والوالد المربي

بديّة تودع عالمها ومؤرخها والوالد المربي.
محمد بن سعيد الحجري
26 جمادى الآخرة 1436هـ
16 إبريل 2015م

يوم أمس نعت بدية إلى عمان وإلى علمائها ومؤرخيها وفقهائها والدنا وشيخنا وأستاذنا الشيخ عامر بن سعيد الحجري، الذي كان بقية الصالحين الأخيار، وألقاً من ذكريات الأبرار من "مطاوعة بدية"، الذين كان يحمل بين جنبيه روحهم وسيرهم، مع حنينه الأبدي لهم ولعالمهم بذكرياته وشخوصه ومواقفه.
أي كلام منا يمكن أن يفي هذا الرجل الكبير حقه!؟ وإن وفّى ببعض حقه أتراه يفي حق علمه الذي بثه ونشره، أتراه يفي حق تلك النفس الصالحة الرقيقة، وروحه الشفيفة، وتواضعه الجم، وعبرته الحاضرة وهو يستذكر الصالحين!؟ 
فلله ذلك الرجل الكبير، ولله تلك النفس المنغمسة في حب الله وحب رسوله وحب الصالحين من عباده، ولله تلك المودة التي تفيض على أبنائه وتلاميذه، يبدي بعضها ويكتم بعضها كأي مربّ حصيف حكيم! ولله تلك الذاكرة المتدفقة بتاريخ الوطن وأحداثه وأعلامه وأماكنه ومعالمه!
نعم ..حق علينا نحن أبناﺀه وتلاميذه أن نحيي ذكره ونضع اسمه وسيرته مثلاً ملهماً للأجيال، مثلما كان مثلاً ملهماً لجيلنا ولأجيالٍ من قبلنا، وعسى أن نقف في ذلك وقفات نؤدي فيها بعض حقه العظيم علينا.

كان شيخنا الأستاذ عامر بن سعيد رفيق والدي رحمه الله في رحلة الطلب الأول للعلم في نزوى مع الإمام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله، ثم سارت بهما الحياة سيرها تعلماً وتعليماً ورحلة واغتراباً باحثين عن المعرفة، كانا رفيقي الصبا في رحلة نزوى وفي مجالس العلم في بدية مع الشيخ الشيبة محمد بن عبدالله السالمي والشيخ سعود بن عامر المالكي والشيخ علي بن ناصر الغسيني والشيخ أبي حميد حمد بن عبدالله السالمي، وغيرهم.
ثم تحركت الحياة بهما داخل الوطن وفي المهاجر تعلماً وتعليماً وعطاﺀ ليعود شيخنا الأستاذ عامر بن سعيد إلى الوطن بعد قيام النهضة العمانية، ليكون أحد مؤسسي النظام التعليمي الحديث في بدية مع تأسيس مدرسة الجلندى عام 1970، ومع ذلك فقد ظل شيخنا الأستاذ عامر وفياً لذكريات الأسلاف الصالحين متشبثاً بحلق العلم لم ينقطع عنها تعليماً وتوجيهاً وتربية، فأوقد الضمائر وشجع الشباب وأوقفهم على سير القدوات الصالحين، فعلّم ووجّه وربى، وحرك الهمم لتلتزم بواجباتها ومسؤولياتها تجاه المجتمع وتجاه التاريخ وتجاه الوطن.
رحمه الله وغفر له وجمعنا به في الصالحين.
اللهم اجزه عنا كل خير، واجزه خيراً عن الدين الذي عاش لأجله، اجزه خيراً عن عمان التي أحبها، وعن بدية التي عشق أرضها وإنسانها وعلمائها وصالحيها وذكرياتهم، اجزه خيراً عن الأجيال التي رباها، وعن المجتمع الذي خدمه، وعن الأخلاق التي بثها، والقيم التي ربى عليها...
اجزه خيراً واجمعنا به في مستقر رحمتك.

*الصور مستخرجة من تسجيلات بالفيديو شرفت بتسجيلها معه عام 2003م حول تاريخ ولاية بدية.

الثلاثاء، 31 مارس 2015

الروح الوطنية الجامعة ،، وأحداث المرحلة

الروح الوطنية الجامعة ،، وأحداث المرحلة
محمد بن سعيد الحجري.

جريدة عمان 10 جمادى الآخرة 1436هـ/31 مارس 2015م

صبحك  عن  الظلما اعتزل
واسمك في عمق الذاكرات
حميد بن راشد الحجري

   يعيش العمانيون هذه الأيام ذروة من ذرى الروح الوطنية والشعور الوطني، ولأن الذرى الشامخة تُرى ولا تُحاط، فإن الكثيرين يستدركون حديثهم عنها قائلين إنها لحظة لا تستوعب الكلماتُ فيها المعاني، وهم صادقون في ذلك، ذلك لأنها ولو أحاطت بوصف المشاهد، فإنها لن تحيط بعمق المشاعر ولا بتدفق الأحاسيس ولا بتصاعد الروح الوطنية، ولعلها من اللحظات التي تنطبق عليها عبارة النِّفري الشهيرة: "إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، لكن سواء امتلك البعض قدرته على التعبير عن اللحظة كما تستحق، أو تراجعت العبارات أمام جلال المعاني فإن العمانيين جميعهم يعيشون هذه اللحظة ويعرفون سرها، فهناك حقيقة تتجلى للجميع بأن ما يجري على عمان اليوم هو ملحمة وطنية، ونحن ندرك وسنزداد إدراكاً أن هذه الروح التي تسري في عمان اليوم ترسخ تلك المعاني والقيم الوطنية والإنسانية التي تزيد من صلابة الإرادة الوطنية ومن مناعتها وحصانتها، ونحن ندرك وسنزداد إدراكاً بأن هذا التعبير الوطني الجامع هو تعبير وحاجة في آن معاً، فالشعوب العريقة تحتاج لذلك، تحتاج لرموزها، وتحتاج للحظات تألّقها، وتحتاج لوقفات تصل فيها بالشعور الوطني إلى أوجه، نعم نحن نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى لهذه المعاني والقيم، وسندرك أن أطفالنا وشبابنا الذين يتشربون بها اليوم هم في أمس الحاجة إليها في وقت تهبّ فيه كل هذه العواصف على العالم، وتقرع فيه طبول الحروب وتقف فيه الشعوب أمام المجهول، بينما يردد العمانيون أهزوجتهم الوطنية،
ويتعاظم مع الفرح شعور عميق بالنعمة الإلهية التي يعيشها العمانيون، وما الدعاء الذي تختتم به المناسبات الوطنية اليوم إلا تعبيراً عن هذه الروح التي تعرف نعمة الله على عباده، وهذا الإحساس بالنعمة وهذه الروح المبشرة بالخير هي التي تدفع العمانيين إلى كف الشرور وبذر الخير ورجائه للشقيق  والصديق وللبشرية كلها.

إن لعمان وضوحاً كبيراً في سياستها الخارجية يغني عن كثير من التحليلات التي يتخرّص بها البعض، فهناك جملة من القواعد الثابتة التي لا خروج عنها ولا استثناء أو انتقاص، ذلك أن اختراقاً واحداً لهذه القواعد الثابتة يلغي ثباتها بالكلّية، ثم لا تغدو الثوابتُ ثوابتَ بعد ذلك، وأولها ــ كما هو معلوم ـــ أن لا تتدخّل في الشأن الداخلي لأي بلد كما لا تقبل بالتدخل الخارجي من أي كان، ثم هناك قاعدة العمل الدائب على إقرار السلم والركون إلى الجهود السلمية في حل أي صراع ينشأ، وهناك قاعدة أن لا ركون لسياسة الأحلاف والانحيازات، ثم هناك قاعدة أساسية بل وتاريخية بأن شأننا المحلي والمشروع الوطني هو الذي يأخذ اهتمامنا وتنصب عليه جهودنا، إذ ليس لعمان أي أجندة خارج الأرض العمانية، وهذه القواعد كلها تعفي الكثيرين من هواجس الظنون، فلن يأتي من عمان إلا الخير ولن تبادر إلا بالخير، وحيادها حياد إيجابي يجعلها محط أنظار الراغبين في السلام حينما يدركون أن الحاجة إليه باتت ضرورة، وأن إعياء التطاحن قد أرهق الجميع، وأن الأوطان تتسع لكل أبنائها وأن أرض الله واسعة بقدر القلوب إذا اتسعت، وبقدر الإرادات الحرة المستقلة إذا وعت أن مصائر الأوطان لا يحددها إلا أبناؤها، وعندئذ إذا بلغت القناعة هذا الحد فإن عمان تبقى بوابة السلام التي لا تغلق.


لقد جرب العرب خلال السنوات الأربع الماضية كل أنواع الأجندات، وصنعوا ما يُتَخيل وما لا يُتَخيل من التحالفات التي تفكك بعضها واتصل بعضها، وسقطت أنظمة وقامت أخرى لتسقط من جديد، وجربوا الارتهان للخارج وجعلوا مصائر أوطانهم بأيدي غيرهم وتحول بعضهم إلى أدوات للقوى الإقليمية والخارجية يضرب أخاه ويقضي على وطنه، وظهرت قوى ظلامية لم يكن المرء ليتخيل أنها ستظهر من جديد، وتفككت دولٌ، ودولٌ تنتظر التفكك، فهل أجدى كل ذلك التدخل شيئاً؟ وهل تحقق لأحدٍ خيرٌ أم دارت عجلة الدمار على الكل؟ وخسرت الشعوب وحدتها وتآلفها وتمزق نسيجها الوطني فلم يرتفع ظلم ولم يتحقق عدل، بل زاد الظلم ظلاماً وغدت العدالة آخر المطالب وبحث الناس عن ساعة أمن كما يبحثون عن كسرة الخبز!


وحينما تتصاعد موجات اللغط والإرجاف عبر وسائل التواصل الاجتماعي فالأجدر بنا أن نتعاطى معها وفق هذه الروح، فللسياسة العمانية وسائل شرحها مع الأشقاء، والتشاورات السياسية لا تنقطع، وهي منفتحة على الكل، وهي واضحة في ثوابتها وفي منهجها وفي انتفاء أي غرضية إلا الخير منها، وكل هذه الجلبة التي تثار حين تشكل عمان موقفها الخاص لا يجوز أن تستفزنا عن روح المثابة العمانية، ولا أن تستدرجنا بالكلام عمّا نزهنا أنفسنا عنه بالسياسة والفعل، ولا أهم اليوم لكل أبنائنا وشبابنا من الوعي والحذر والتسامي والتنزه عن مستنقعات الفتنة، وستأخذ الأحداث مسارها للأسف ولن يتغير في عالم العرب شيء إلى الأفضل، وسيدرك الكل في يوم ما لم اتخذ العمانيون هذا الموقف كما حدث في التاريخ القريب والبعيد؟

لقد اختار العمانيون دوماً أن يشتغلوا بشؤونهم وانصرفوا إلى رسالتهم الحضارية إلى العالم عبر البحار وكانوا في يوم ما "دهليز الشرق وبوابة الصين ومغوثة اليمن" كما ينقل الاصطخري في "المسالك والممالك" عن البشاري، وفضل العمانيون أن يبقوا على استقلالهم الذي أقرهم عليه نبي الرحمة، رغم وجود الدول المركزية في دمشق وبغداد والقاهرة والأستانة، وحافظوا على هذا الاستقلال ضد كل قوة حاولت النيل منه وواجهوا أولى موجات الاستعمار في القرن السادس عشر، ورسالتنا الحضارية للعالم وعتها قيادتنا منذ أكثر من أربعين عاماً وهي تبني الروح العمانية بعد سنوات الجمود والعزلة، وحري بنا أن نستمر فيها وأن يكون العمل وتوجيه الشباب لها هو هم ليلنا ونهارنا، وهي من بعد تستوعب كل جهدنا وطاقتنا ومواردنا.

إن العمانيين لا يعرفون السياسات الثأرية المؤقتة، ولا يقررون سياستهم وفق مبدأ اللحظة، بل يتكئون على مسيرة تاريخ تقلبت بهم مسيرته على كل أحواله كما سبق أن قلنا عدة مرات، وهم يعون درس التاريخ، وخلاصاته تتأكد أمامهم يوماً بعد آخر، وخلاصاته والوعي بحقائق الجغرافيا والتوازنات الاستراتيجية واستحقاقات المستقبل الذي لا يبنى على الحقد كل ذلك جزء من تفكيرهم، وهم مشغولون اليوم بروحهم الوطنية التي جددها سلطانهم قبل أربعين عاماً، وعندما يحتفون بعودته لوطنه بهذه المسيرات الحاشدة التي لم تترك ولاية عمانية واحدة،
  فهم يحتفون أيضاً بهذه الروح التي استلهموها وجددوها، هذه الروح التي وعت التاريخ وخططت للحاضر وألهمت للمستقبل، وهم يحتفون أيضاً بهذا النهج الذي جعل من السِّلم سياسة، ومن الحفاظ على استقلال القرار الوطني ثابتاً من الثوابت، وهم يحتفون بهذه الحكمة التي جنبتهم شرور العالم ومخاطر الانزلاق إلى الفتن التي تستنزف الحالة العربية اليوم، وهم يحتفون بهذا الوعي الذي أنجز الوحدة الوطنية بفلسفة الحب والعلاقة الإنسانية والتراحم، التراحم الذي لم يعد له في دنيا العرب معنى أو قيمة!، وهم يريدون من إخوانهم أن يفهموهم وفق ثوابتهم الواضحة، ووفق مبدأ إرادتهم بأن يكونوا طريق سلام لا مسار حرب، ووفق أنهم معنيون بمشروعهم الوطني، ومعنيون بحفظ استقلالهم وإرادتهم وقرارهم السياسي، وهذا النهج هو قرار قيادتهم السياسية مثلما أنه حديث الروح الوطنية الجامعة في عمان من أقصاها إلى أقصاها، وما نراه من احتفالات اليوم هو مزيد من تعميق الإيمان بهذا النهج والوثوق به، بل والحاجة للتعبير عنه.

وإذا أردنا أن نختم الحديث عن هذه الروح الجامعة اليوم وما تتمثله فلعل من المناسب هنا أن نورد بعض أبيات "العازي" الذي ألفه أحد آبائنا وأنشده شبابنا في ولاية بدية في مسيرة الحب والوفاء التي انتظمت صباح السبت الماضي، فبعض تلك الكلمات المتمثلة للشعور الوطني تفسر كيف يرى العمانيون اللحظة، تقول بعض تلك الكلمات: 
غيرك دعا الناس ف محنْ * فرق شعوب(ن) في الشتات
صبحك عن الظلما اعتزل *  واسمك  ف عمق  الذاكرات

والحمد لله أولاً وآخراً..

الأحد، 25 يناير 2015

الغزو البرتغالي للساحل العماني، بين المقاومة والتحرير، نقاش لتصريحات الدكتور سلطان القاسمي

الغزو البرتغالي للساحل العماني
بين المقاومة والتحرير
نقاش لتصريحات الدكتور سلطان القاسمي
* محمد بن سعيد الحجري.
نشر بجريدة عمان: الإثنين، 5 ربيع الآخر 1436هج، 26 يناير 2015م.
  خلال اليومين الماضيين تداول الكثيرون تسجيلاً مصوراً للدكتور سلطان القاسمي أثناء وضعه حجرَ الأساس لنصب تذكاري في مدينة خورفكان يستذكر مقاومة المدينة للغزو البرتغالي خلال السنوات الأولى من القرن السادس عشر الميلادي حين غزا البرتغاليون الساحل العماني ابتداء من 1507م، وقد أثار التصريح موجة من ردود الأفعال والجدل، حين تحدث الدكتور القاسمي عن خورفكان باعتبارها استثناء المقاومة الوحيد في سلسلة مدن الساحل العماني التي هاجمها الغزو البرتغالي، وكان إصراره شديداً ومركزاً على أن المدن الأخرى سلمت طواعية للمحتل البرتغالي دون مقاومة تذكر، وأن خورفكان كانت المدينة الوحيدة التي رفضت الذل والهوان من مدن الساحل العماني.
ذلك ملخص ما قاله الدكتور سلطان القاسمي، وهو كلام يأخذ أثره ويصنع ردود أفعاله من الموقع الذي يمثله الشيخ الدكتور القاسمي، وكذلك من موقعه العلمي الأكاديمي باعتباره أحد المختصين في التاريخ العماني قدم فيه كتباً عديدة أهمها: تقسيم الامبراطورية العمانية، والعلاقات العمانية الفرنسية، ومراسلات سلاطين زنجبار، وغيرها.
لست هنا بصدد مناقشة كلام الدكتور القاسمي بالاعتبار الأول رغم أن قدراً كبيراً من أثر ذلك الكلام ومن ردود الفعل عليه أتت مما يمثله موقعه ومقامه الرسمي، فذلك أمر له مسارات أخرى من التناول، خاصة وأن الجميع يعلم بأن هذا الأقليم بأسره يشكل ما عرف تاريخياً بعمان التاريخية أو عمان الكبرى التي تضم عمان الداخل وعمان الساحل وظفار وساحل عمان، وأن كل حركة أو حدث تاريخي في أي ناحية منها تتصل بهذا الكيان الكبير سواء كان ذلك الحدث له أو عليه، وهي حقيقة تاريخية يتفق المؤرخون في القطرين على ثباتها واحترامها لأنها تعني كل من يعيشون على أرض عمان التاريخية ويؤمنون بأن لهم تاريخاً واحداً، ومن هنا فإن الإنفراد بصياغة تاريخ لبعض أجزائها، مع انتقاص تاريخ أجزاء أخرى، أو التركيز على بعض الحلقات فيه دون الإشارة الدائمة إلى هذه الحقيقة (عمان التاريخية) أو الانطلاق منها هو الذي يسبب دائماً ردود الأفعال غير المتوقعة للتصريحات المتعلقة بالتاريخ الذي يمثل مرجعية واحدة للقطرين.
هذه مقدمة كان لابد منها، والذي يعنينا كثيراً أن نتوقف أمام الحقائق التاريخية عبر استنطاق مصادرها لنتبين حقيقة واحدة كانت مدار حديث الدكتور القاسمي وهي: هل كانت خورفكان المدينة الساحلية الوحيدة التي قاومت الغزو من مدن الساحل العماني؟ وهل استكان العمانيون في الساحل للاحتلال البرتغالي دون مقاومة؟
إن أمرين يبعثان على الأسف بشأن الأحداث التاريخية هنا، أولها أن القوى الحقيقية السياسية والعسكرية الماثلة حينها لم تقم بما يتطلبه الموقف لمواجهة هجمات الأسطول البرتغالي وتركت المدن الساحلية المأخوذة على حين غرة لمصيرها في مواجهة أعتى القوى الاستعمارية الغربية وأولها (حينها) وهي موجة القوة العسكرية البحرية التي امتلكها الأسطول البرتغالي الذي يقوده يومها "تريستو داكونها" ثم "أفونسو دالبوكيرك"(انظر الاستعمار البرتغالي في الخليج العربي،بحث:النظام الدولي الإقليمي في الخليج خلال فترة الاستعمار البرتغالي/ ص55، والعرب والبرتغال في الخليج/167-173)، والقوى الحقيقية التي كان يمكن أن تقف في وجه موجة الغزو البرتغالي هي: السلطنة المملوكية في مصر والشام، والدولة الصفوية في إيران، وسلطنة هرمز على الساحل الفارسي في مدخل الخليج، والسلطنة النبهانية في داخلية عمان، والسلطنة الجبرية في نجد والأحساء، وكلها لم تقم بما يجب عليها في صد الخطر البرتغالي الذي قرع أبواب المنطقة ابتداء من 1507م مبتدئاً بسقطرى ومنتهياً بهرمز ثم البحرين والقطيف ليستكمل سيطرته على الخليج في عام 1559م؛ والأمر الآخر الذي يبعث على الأسف أن مصادر التاريخ المحلي قلّما تطرقت لهذه الأحداث أو فصلت فيها؛ ولذا فإن المصادر الوحيدة للأحداث هي المصادر التاريخية البرتغالية، وهي التي استقيت منها الأحداث، وعلى وجه الخصوص الوثائق والتقارير البرتغالية التي لم يكشف عنها النقاب إلا مؤخراً، وهي تقارير منحازة تماماً ومعبأة بروح دينية متعصبة، والإشارات الصليبية منبثة فيها دون مواربة، ومن أهمها كتاب "السجل الكامل لأعمال أفونسو دلبوكيرك" وهو سجل جمعه ابنه (غير الشرعي) براز braz أفونسو من الوثائق والمراسلات الأرشيفية البرتغالية، ومن هذا المصدر نقلت المصادر الأخرى، والمدقق في تصريحات الدكتور القاسمي وما ورد فيها من تفاصيل يجزم بأن مصدره في رواية الأحداث كان هذا الكتاب وليس سواه؛ أما أهم هذه المصادر وأكثرها شمولاً في جمعه للوثائق البرتغالية فهو كتاب "البرتغال في بحر عمان، الدين والسياسة" الذي حوى صور الوثائق البرتغالية في 16 مجلداً طبعت بإشراف ومتابعة من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالسلطنة، وهو ينتظر صدور ترجماته عما قريب.
إذن فقد كان سجل أعمال دالبوكيرك هو المصدر الوحيد للأحداث والروايات المتداولة بشأنها حتى الآن، وهو مصدر ينبغي أن نأخذه بحذر لأنه من طرف واحد ولأن إرضاء ملك البرتغال كان من أهداف تلك التقارير، ومع أن السجل يمعن بكل صلف في احتقار خصومه وتصوير "المسلمين" ــ حسب عبارته ــ بمختلف صور الذل وبأنواع عبارات الكراهية، إلا أن التأمل فيه مع ذلك يؤكد حقيقة أن خورفكان لم تكن الاستثناء الوحيد في المقاومة، فقد قاومت بعض المدن، بينما فاوضت مدن أخرى خاصة تلك التي كان يحكمها (حينها) ولاة لمملكة هرمز وهي مملكة غير عمانية كما نعلم، كما استُهدفت مدن أخرى من البحر دونما حاجة لإنزال ومواجهة على الساحل.
إن التأمل في الأحداث حتى كما يصورها السجل المذكور يؤكد أن المقاومة كانت ضارية في عدد من مدن الساحل العماني، وأن السلاح الناري قد استخدم في تلك المقاومة، فقد قاومت "سُقطرى" بضراوة ولم تسقط بسهولة كما تم تصوير المشهد، إلى حد أن برجاً واحداً من أبراج قلعتها كان يحميه أربعة رجال قاوم الحصار بشجاعة كلفت البرتغاليين أكثر من خمسة قتلى، فيتحدث الكتاب قائلاً: "إلى حد أن تملك الحنق أفونسو دالبوكرك للعار الذي يتعرضون له لبقائهم ثلاث ساعات دون أن يكونوا قادرين على دخول برج يدافع عنه أربعة مسلمين"(السجل الكامل لأعمال دلبوكبرك/ج1،ص143)، وقد كان مردّ الاهتمام البرتغالي باحتلال سقطرى بسبب الوجود المسيحي بها، وبتوجيه مباشر من ملك البرتغال كما يصرح السجل(حول مقاومة سقطرى واحتلالها انظر: السجل الكامل لأعمال دالبوكيرك/ج1، ص141-149، والعرب والبرتغال في الخليج/ص172-173).
أما قريات فقد قاومت بصلابة وأعدت عدتها للمواجهة وبنت استحكاماتها الدفاعية، ونصبت مدافعها لصد الهجوم، وقام البوكيرك وقباطنته بعملية استطلاع للاستحكامات، ثم يتحدث الكتاب: "عندما عاين أفونسوا دالبوكيرك هذه الاستحكامات وأن المسلمين غير راغبين في إجراء محادثات معه وإنما مصرين على اتخاذ موقف دفاعي أصدر أمره بإطلاق المدافع الصغار التي في قوارب أسطوله والتراجع إلى حيث سفن الأسطول فرد المسلمون على ذلك بإطلاق مدافعهم الهاون وأمطروا وابلاً من السهام"(السجل الكامل لأعمال دالبوكيرك/ج1،ص167)، ثم بدأت المواجهة والالحتام مع بدء الإنزال البرتغالي على الساحل فوق المتاريس التي نصبها أهالي قريات، وقد تخلل ذلك قصفٌ منهم بالمدافع على الجنود البرتغاليين "ولما انتهى القذف الشرس للمدافع خاض رجالنا (البرتغاليين) الحرب بحماس محاربين فوق الاستحكامات وتلاحموا مع المسلمين.."(المرجع نفسه/ص168)، وقد أدت هذه المقاومة إلى انتقام نتج عنه تدمير المدينة وحرقها بالكامل، وإحراق سفنها ومينائها، وارتكاب المذابح، والتمثيل بالأسرى (حول مقاومة قريات واحتلالها انظر: السجل الكامل لأعمال دالبوكيرك/ج1، ص165-170، والعرب والبرتغال في الخليج/ص174-175).
أما مسقط فإنها عند وصول الأسطول البرتغالي كانت تعد العدة للدفاع وقد أقامت شبكة من الاستحكامات، ونصبت المدافع والمتاريس، فبدأ البوكيرك سلسلة من المفاوضات استثمرها أهل مسقط في زيادة تحصيناتهم، وعلى ما يبدو من السجل فإن البوكيرك كان حريصاً على توقيع اتفاق معها أكثر من غيرها لاعتبارين ــ كما صرح البوكيرك في اجتماعه مع قباطنته ــ هما: جودة الميناء واحتمال استخدامه من قبل الأسطول البرتغالي، ونظراً لقوة أسوار المدينة واستحكامتها التي لاحظها البوكيرك واستطلعها بعناية، وحين فشلت المفاوضات ولم يستلم البوكيرك معاهدة الاستسلام "وبدا وكأن المدينة قد أغلقت أبوابها، فقرر البوكيرك أن يتقدم إلى الساحل بنفسه للاستطلاع عن كثب عما يجري في مسقط" وحين تأكد له أن المدينة تستعد للقتال ونبذت الاستسلام قرر البوكيرك مهاجمتها (العرب والبرتغال في الخليج، ص176-177)، وعند بدء الهجوم الذي يهدف إلى إنزال القوات على الشاطئ واجه البرتغاليون "صعوبات جمة في إنجاز النزول إلى الشاطئ" بسبب دفاع مقاتلي المدينة عن تحصيناتها، ومع استمرار الهجوم البرتغالي تجاه التحصينات الشرقية والغربية على مدخل الميناء يتحدث السجل قائلاً: "أما المسلمون الذين كانوا داخل الاستحكامات فقد دافعوا عنها ببسالة وصمدوا لمدة طويلة" (السجل الكامل لأعمال دالبوكيرك/ج1، ص176)، وبعد جولات متعاقبة من القتال نجح البرتغاليون في النزول إلى الساحل وبدأوا في احتلال المدينة واستهداف النساء والأطفال بالقتل، وهو أمر يفاخر به السجل في أكثر من موضع مسمياً ذلك بــ "المجزرة" ومحدداً القادة الذين قاموا بذلك بفخر!(انظر المرجع السابق، ص177، و178)، ولم تبدأ استباحة المدينة ونهبها وتدميرها إلا بعد ثمانية أيام من الإنزال، ثم بدأ في إحراق البلدة، أما المسجد الكبير فقد قاموا بهدمه بتحطيم دعاماته (وليس بتفجيره)، ثم شرع في عمليات التمثيل بالأسرى كجدع الأنوف وقطع الآذان التي كانت طريقته المفضلة في الإرهاب وإثارة الذعر(حول مقاومة مسقط واحتلالها انظر السجل الكامل لأعمال دالبوكيرك/ج1، ص171-184، والعرب والبرتغال في الخليج، ص175-180).
أما المدينة الأخرى من مدن ساحل البحر العماني التي قاومت الاحتلال البرتغالي فكانت خورفكان التي قاومت ببسالة كما قاومت قبلها قريات ومسقط ومن قبلهما سقطرى مقاومة باسلة مشرفة، ولم تستسلم للغزو كما لم تستسلم المدن الثلاث الأخرى، فكان مصيرها كلها الحرق والتدمير وأسر الشباب وتشويه الأسرى من الشيوخ (حول احتلال ومقاومة خورفكان انظر السجل الكامل لأعمال دالبوكيرك/ج1،ص195-202، والعرب والبرتغال في الخليج، ص180-184).
إننا ينبغي أن ننظر إلى هذا الاحتلال لمدن الساحل العماني باعتباره الحلقة الأولى وليست الأخيرة؛ إذ لم يستكِنْ أبناء الساحل العماني للاحتلال، فقد ظلت مدن الساحل في انتفاضات مستمرة وثورات لم تنقطع فقامت ثورات في أعوام: 1519، و1521، وثورة في مسقط عام 1526م إضافة إلى ثورات أخرى(حول هذه الثورات انظر: عمان الديمقراطية الإسلامية، ص96 ـ 97، وويندل فليبس، تاريخ عمان، ص52).
والحلقة الأخرى في مصير الاحتلال يتمثل في جهود التحرير، فقد كان على المدن الساحلية أن تنتظر طويلاً حتى قيام الدولة العمانية اليعربية عام 1024هـ/1615م التي باشرت جهود التحرير لكل هذه المدن، وكانت جلفار والصير(رأس الخيمة وما جاورها من الساحل الشمالي) أول المدن العمانية التي تم تحريرها من السيطرة البرتغالية بقيادة علي بن أحمد النزوي عام 1040هـ (انظر تفاصيل المعركة في: العرب والبرتغال في الخليج، ص511-512) ثم تمكن العمانيون من تحرير صحار وصور وقلهات وقريات ودبا، وغيرها من مدن الساحل (انظر سيرة الإمام ناصر بن مرشد، لابن قيصر، ص67-72، والتحفة/ج2، ص11-13)، وعند وفاة الإمام ناصر بن مرشد (1050هــ) كانت كل المدن الساحلية العمانية قد حُررت من جلفار شمالاً إلى صور جنوباً، ولم يبق في أيدي البرتغاليين إلا مسقط، التي استكمل تحريرها الإمام سلطان بن سيف، حيث وقعت معركة التحرير الكبرى في 10 رجب 1059هـ (23 يناير 1650م) التي يدوِّن عنها المؤرخون العمانيون وغير العمانيين سجلاً هائلاً من البطولات والتضحيات، ولعل من أوفى تلك النصوص بالمشهد ما وثّـقه الكسندر هاملتون على لسان أحد شهود العيان في المعركة، إذ تحدثت شهادته عن آلاف الشهداء الذين تراوح عددهم بين 4 و5 آلاف شهيد سقطوا في معركة التحرير الفاصلة (حول معركة تحرير مسقط انظر: الاستعمار البرتغالي في الخليج، بحث: معركة تحرير مسقط، ص210-212، وانظر التحفة/ج2، ص66، والعرب والبرتغال في الخليج، ص517-520).
إن كل هؤلاء الآلاف من الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم لتحرير وطنهم على امتداد ساحل بحر عمان والخليج وفي كل مدنه وموانئه، ينضمّون إلى أولئك الذين ضحوا قبلهم وهم يقاومون الأساطيل الغازية، فهم يَصِلون بين حلقتي المقاومة والتحرير، وهم كلهم جديرون اليوم باحترامنا وتقديرنا، وجديرون بوفائنا واستذكارنا، وهم جديرون بأن نقف لهم وقفات المجد وأن نحفظ ما ضحّوا من أجله؛ فقد ضحوا لأجل تاريخ واحد وشعب واحد وأرض واحدة، وواجبنا أن نرفع لهم نُصُب ذكرى في قلب كل منا، فقد كان لهم الشرف والمجد الذي أورثونا إياه لنقف في ذكراه وقفة الفخر بالبطولة الخالدة والتضحيات التي لم تعرف حدود الجغرافيا السياسية المحدثة.
بقي أن نقول بأن تلك المقاومة وتلك الثورات وهذا التحرير في الحلقات المتعاقبة هي التي حفظت الاستقلال العماني ومكنت لعمان دورها الإقليمي والدولي في المحيط الهندي، وكان من ورائها إرادة لا تعرف اللين ولا ترضخ للهوان، ولعل من المناسب أن نختم بأبيات من القصيدة الخالدة لأحد قادة الأسطول العماني، وهو الشيخ محمد بن مسعود الصارمي الذي قاد معركة "بتّة" ضد البرتغاليين على الساحل الإفريقي، ففي قصيدته التي يقول مطلعها:
كشفنَ عن تلك الوجوه الصباحْ * إذ زمّــت العــــيسُ ليوم المـــــــراحْ
ثم يتحدث واصفاً المعركة:
أطـــوي الفــلا  واليــمَّ  في فيلقٍ * يطفئ ضوءَ الشمسِ والجوُ صـــاحْ
حــتى أتيــــنا  بـتــةٍ  بـالضــحى * ثــم نــــزلنـــاهــا  بـــأرضٍ بـــراحْ
فــقلــت  لأصحــابـي  لا تـجبنوا * مــــن عنـــده الله فــــلا  يستـــبـــاحْ
فاقتحموا  الســــور كــأسد  الفلا * واشــتدت الحربُ وضرب   الصفاحْ
كــأنما   القــــتلى  بـــأرجــائــها * مــن  فــــئة الإفرنج صرعى  طراحْ
كأنهــم  أعجــاز  نـــخل   بــــها * منــقـعـرٍ مـــن عـــاصـفات  الريـاحْ
فانـــهزم  الإفرنجُ  مــن   بتـــــةٍ * بالــذُّلِّ والــــخزيِ  والافــــتضـــاحْ

لمزيد من التفصيل انظر المراجع:
*عبدالله بن خلفان بن قيصر، سيرة الإمام ناصر بن مرشد، دار الحكمة، لندن.
*نور الدين السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان.
*فالح حنظل، العرب والبرتغال في التاريخ، المجمع الثقافي، أبو ظبي.
*براز(أفونسو) البوكيرك، السجل الكامل لأعمال أفونسو دالبوكيرك، ت: عبدالرحمن الشيخ، المجمع الثقافي، أبو ظبي.
*حسين غباش، عمان الديمقراطية الإسلامية، دار الفارابي.
*مجموعة باحثين، الاستعمار البرتغالي في الخليج العربي، ندوة مركز الدراسات والوثائق، رأس الخيمة.
*ويندل فيلبس، تاريخ عمان، ت: محمد أمين عبدالله، وزارة التراث والثقافة.

وللاستزادة انظر:
*حميد بن محمد بن رزيق، الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، وزارة التراث والثقافة، مسقط.
*علي الدرورة، تاريخ الاحتلال البرتغالي للقطيف، المجمع الثقافي، أبو ظبي.
*خالد الخالدي، وإيمان الخالدي، السلطنة الجبرية في نجد وشرق الجزيرة العربية، الدار العربية للموسوعات.
*إبراهيم خوري، وأحمد التدمري، سلطنة هرمز العربية، مركز الدراسات والوثائق، رأس الخيمة.

الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

حول خطاب جلالة السلطان.. تأملات في المضامين القيمية والمسؤولية الوطنية

حول خطاب جلالة السلطان
تأملات في المضامين القيمية والمسؤولية الوطنية
محمد بن سعيد الحجري - جريدة الرؤية
الثلاثاء 18 محرم 1436هـ/11 نوفمبر 2014م

"وما كل طول في الكلام بطائلٍ
ولا كل مقصور الكلام قصير"
أبو مسلم البهلاني،،

   أسبوع مرَّ منذ أن بُثّت الكلمة السامية لعاهل البلاد المفدى - حفظه الله - وما تزال الموجة العاطفية التي أنتجتها مستمرة حتى اللحظة، وهذا التلقي العاطفي العفوي هو أمر لا أرانا في حاجة لوصفه أو تفسيره، فقد عاشه كل منا بطريقته فتجاوز حدود التجربة الشخصية إلى أن يكون لحظة عاطفية جمعيّة نادراً ما تمر بها الشعوب، والعقل الجمعي العماني عاشها تجاه القائد الذي أعاد الروح الوطنية العمانية إلى أوج قوتها، ونسج علاقة فريدة بينه وبين شعبه سيتوقف أمامها التاريخ وأمام قيمها التي أسستها والنهج الذي صاغها، وكل منا ينظر إلى جلالته بوصفه أباً ووالداً كما ينظر إليه باعتباره سلطاناً وقائداً، إنّ تلك اللحظة العاطفية هي لحظة إنسانيّة بامتياز، ولاشك أنها ليست لحظة عاطفية للمواطنين الذين تلقوها فحسب، بل هي قبل ذلك لحظة إنسانية لمن قدمها مائدة من حب وفرح وشكر وتقدير لكل عماني، على حين كان هو لأول مرة يحتفل بالعيد الوطني فلا يكون في وطنه الذي بناه لبنة لبنة، ولا يكون بين مواطنيه الذين يرقبون ظهوره كل عام.
إن الخطاب على وجَازَتِه حمل من المضامين والرصيد الإنساني طاقة أحدثت كل ذلك الأثر المدهش؛ وإذا كانت خطابات القادة والزعماء تأتي لإحداث أثر على الجماهير ولتوجيهها وربطها بمصدر القرار والسياسات الأول، وهو تقليد سياسي لا يخلو منه أي نظام سياسي، فإن ذلك الخطاب قد أحدث من الأثر على الجماهير المتلقية ورفع من وتيرة المشاعر الوطنية ووثق من الروابط أضعاف ما قد تحدثه الخطابات السياسية الصرفة، لأن في طيه لغة خاصة توحي بها العبارات وتشع بها النبرات، وتفهم فحواها أذنُ تلقٍ جمعي تدرك ما معنى أن يقال لها هذا الكلام في هذه اللحظة وبهذه الصيغة وبهذا الإيجاز والتكثيف.

وإذا كنا جميعاً شركاء في حالة التلقي تلك فإننا كذلك لابد أن نكون شركاء في فهم مضامين سياسية وقيمية مهمة حملها الخطاب، فكل سياسة تنطوي على قيمة ومعنى وهدف، وسأتوقف لأركز هنا على نقاط يجب أن نقرأها من زاوية المسؤولية الوطنية، إضافة إلى نقطة تتعلق بقيمة كبرى تحملها خطابات جلالته وتلح عليها في كل مناسبة.

وأولها ما أشار إليه جلالة السلطان من أن هدف النهضة العمانية كان وما يزال بناء "دولة عصرية راسخة الأركان" وأن المضي في هذا الهدف لن يتوقف عند حد؛ لأنّ عمان "ماضية بكل عزيمة نحو مستقبل مشرق واعد من التطور والنماء"؛ إنّ النظر إلى المستقبل مهم للغاية هنا والإشارة إليه ليست بسطة آمال فحسب، بل علينا أن نفهم منه أن لا حدود للحلم كما أن التحديات لا تتوقف؛ وإذا كانت "النهضة" هي عنوان المشروع العماني، فإنّ مفهوم النهضة في ذاته ذو بعد حضاري وهو لا يتعلق بجانب من التطور الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي بل هو مفهوم شامل تسير فيه أركان النهضة بتوازٍ وتناغم، وهذا التوازن هو الذي يضمن تجسيد مشروع النهضة في "الدولة الراسخة الأركان" لأن ما كان راسخ الأركان لا تهزه عواصف الدهر ولا زعازع الأزمات، ويواجه التحديات بعزيمة لا تلين.

وإذا كان تحليل معنى النهوض والنهضة أمر لا يتسع له هذا المقام، فإن تجسيد هذا المعنى في "الدولة الراسخة الأركان" أمر يجب أن نقرأه نحن من منطلق المسؤولية الوطنية، لنسأل أنفسنا ما الذي فعله كل منا ليزيد من ثبات الدولة الراسخة الأركان؟ وإذا كان هذا الحلم هو الذي ألهم جلالة السلطان أن يبذل له شبابه وجهد 44 سنة فكان مشروعه ومنجزه ومشروع الوطن ومنجزه، فما الذي نقدمه نحن اليوم ليستمر تحقيق هذا الحلم وليزداد ازدهاراً ورسوخاً وقوة؟ إنّ هذا السؤال يخاطب كل مواطن دون استثناء، المواطن الذي يقف اليوم على أي مصلحة من مصالح عمان في أي بقعة كانت، كما يتوجه إلى من يقودون مؤسسات وهيئات الوطن، لتكون فكرة "الدولة الراسخة الأركان" هي فلسفة العمل ومعيار الإنجاز، وأن ننفي كل ما يتعارض معها أو يشغب عليها.

إنّ النقطة الثانية التي يجب أن نقف أمامها على بعدها الإنساني في المقام الأول، هي حين توجه جلالة السلطان حفظه الله بشكره وتقديره إلى أبناء شعبه على مشاعرهم ودعواتهم، ودعا في ختامها الله بأن يحفظ أبناء عمان المخلصين ويرعاهم "كراماً أوفياء"، إذ في إشارة جلالته إلى الكرامة والوفاء باعتبارهما من القيم الأخلاقية العليا تنويه في ذاته إلى أنّ هذه العلاقة قامت بينه وبين شعبه على الوفاء المتبادل وعلى الكرامة، وإلى أنّه يشعر بهذا الوفاء المتدفق ويشكرهم عليه؛ وحين نقرأ هذا المعنى من منطلق المسؤولية الوطنية التي لا تستثني أحداً فإن الوفاء هو أحد القيم الكبرى التي صنعت المنجز الذي تعيشه عمان اليوم، الوفاء بالوعد الكبير بأن تكون عمان دولة راسخة، والوفاء بالحقوق التنموية لكل إنسان فيها، وأن يشعر مواطنها بالكرامة والشرف، وأن يقف أمام العالم ويقول بثقة وانفتاح بأنه عماني له وطن وله دولة تدرك انتماءها وتعرف تاريخها وتقدم رسالتها الحضارية.

أجل إنّ كل ذلك كان مساراً طويلاً وشاقاً من الوفاء لا حاجة لأن نفصل التحديات التي واجهته، وهو ليس وفاءً يتعلق بالحاضر وبأبنائه، بل هو كذلك وفاء لعمان ولتاريخها ولشهدائها ولتضحيات أبنائها وجهود أعلامها على امتداد حقب التاريخ لتبقى حرة ومستقلة، منتمية إلى دينها وحضارتها ولغتها ومنفتحة على العالم؛ وهذا الصدق والوفاء بهذا المعنى الواسع المتجاوز للحظة الواقع هو ذاته الذي نحتاجه اليوم لنحافظ على ما أنجز ولنعظِّمه ولنكثره، ومرة أخرى على كل واحد منا أن يسأل نفسه اليوم أين هو من هذا الوفاء؟ فهذه القيم الحاكمة لا تعرف ازدواجية التطبيق، فما الذي يبذله كل منا ليحمي هذا المنجز ولتوسيعه والعبور به إلى المستقبل، وتجاوز كل ما يمكن أن يواجهه من تحديات، وكيف نكون أوفياء للمشروع الحضاري بالدولة الراسخة الأركان؟!

إن هذه التساؤلات المتعلقة بالمسؤولية الوطنية لكن منا هي تساؤلات عامة تتفرع عنها تساؤلات تفصيلية عددها بعدد كل مصلحة من مصالح الوطن والمواطن، وكل وزارة أو هيئة أو وحدة إدارية أو خدمية، وكل موقع ووظيفة، وكل تخطيط وكل مشروع وكل قرار، فهذا المشروع الحضاري بالدولة الراسخة الأركان هو مشروع لكل عماني بغض النظر عن المواقع والمراتب، والله سائل كلاً منا أحفظ أم لم يحفظ؟ وفّى أم لم يفِ؟ وأمل جلالة السلطان أن يحفظنا الله جميعاً كراماً أوفياء.

إن التحية والتقدير التي يوجهها جلالته للقوات المسلحة هو أحد مظاهر التجسيد لهذا الوفاء وهو تعبير عن عرفان العمانيين جميعا لأبناء القوات المسلحة، وهو حق على كل عماني أن يشعر به حين يأوي إلى بيته آمناً مطمئنا، لكنه أيضاً إشارة ضمنية بأن مؤسسة القوات المسلحة هي حارسة على كل هذا المنجز في عالم شديد المخاطر وبالغ التعقيد، وجميعنا نرى اليوم في هذا العالم الذي يُفجأ بالأزمات بأنّ القوى النظامية المسلحة هي ضمانة أساسية لدولة المؤسسات الراسخة الأركان.

إن ثمة قيمة مضاعة في عالم اليوم الذي يتعاظم تعويله على الأسباب دون المسبب، ولكنّها قيمة حاضرة في كل خطاب لجلالته ولا تفارق أي خطاب بوجه أو بآخر، تلك هي قيمة الاعتماد على الله والتعويل على عنايته ومدده، وشكر توفيقه وتسديده؛ ذلك لأنّ القوى والموارد والإمكانات هي آثار لنعمته، وأن حسن تدبيرها هو قيام بحق المنعم والنعمة؛ ومن يعرف كيف تمضي حياة البشر اليوم إلى مزيد تعقيد وإبهام في الحسابات والتوقعات حتى لتكاد تتساوى الخيارات في كثير من الأحيان، وتُجهل آثار كثير من السياسات، وتقف فيه النظم والاقتصادات أمام خيارات صعبة وقرارات حرجة، ليدرك تماماً مدى الحاجة للتوفيق الإلهي ليهب الحكمة ويوجه للرشد ويهدي إلى الصواب... وكلنا نتوجه مع قائد البلاد بالدعاء إلى الله أن يحيط عمان وسلطانها وأهلها برعايته وحفظه وتوفيقه.
والحمد لله أولًا وآخراً..

الاثنين، 13 أكتوبر 2014

دعوة إلى عودة الروح .. بين يدي ندوة التعليم في سلطنة عمان، الطريق إلى المستقبل


دعوة إلى عودة الروح
بين يدي ندوة التعليم في سلطنة عمان، الطريق إلى المستقبل

محمد بن سعيد الحجري

جريدة الرؤية - الإثنين، 13 أكتوبر 2014م
"ولما كان التعليم هو الركيزة الأساسية للتقدم والتطور ولإيجاد جيل يتحلى بالوعي والمسؤولية ويتمتع بالخبرة والمهارة ويتطلع إلى مستوى معرفي أرقى وأرفع فإنّه لابد من إجراء تقييم شامل للمسيرة التعليمية من أجل تحقيق تلك التطلعات" من خطاب جلالة السلطان المعظم في الانعقاد السنوي لمجلس عمان 2011م.
"لذلك فإنّه من أولويات المرحلة التي نمر بها والمرحلة القادمة التي نستشرفها مراجعة سياسات التعليم وخططه وبرامجه وتطويرها بما يواكب المتغيرات التي يشهدها الوطن والمتطلبات التي يفرضها التقدم العلمي والتطور الحضاري" من خطاب جلالة السلطان المعظم في الانعقاد السنوي لمجلس عمان 2012م.


إن الفقرتين الآنفتين من خطابي جلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه- لابد أن تكونا عنواناً لهذه المرحلة التي يمر بها التعليم في وطننا، وطالما تحدثنا وتحدث كثير من المتابعين لشأن التعليم بأنّ ما نص عليه الخطابان الساميان من "تقييم شامل" و"مراجعة لسياسات التعليم" لابد أن يرتكز عليهما جهد المؤسسات المعنية بالتعليم في السلطنة بمستوييه الأساسي والعالي، لأنّ هذا التقييم وتلك المراجعة هي التي ستصنع منعطفاً فارقاً وانطلاقة جديدة لا تكرر ما شاب المرحلة الماضية ــ قبل الخطابين ــ من تجريب ونزعات جعلت الجميع على قناعة بأنّ هذا المسار لا يصل بنا إلى الوجهة الصحيحة، ولا يعطينا القدرة على مواجهة التحديات الماثلة، بل ويصنع تناقضات ويعاظم أزمات كلنا يدرك أنّ القطاعات التعليمية مرت بها وتمر بها.

اليوم بعد ثلاث سنوات من الخطاب الأول وسنتين من الخطاب الثاني على مؤسساتنا التعليمية بكل مستوياتها أن تسأل نفسها: كيف كان التقييم الشامل؟ وكيف كانت المراجعة؟ وهل صنعنا انعطافة جديدة أو انطلاقة مختلفة؟


والذين يشاهدون مجريات الأمور من خارج مؤسسات التعليم مثلنا، ويتابعونه متابعة الحريص على مستقبل وطنه، المدرك لما يحتاجه الوطن وتريده القيادة من التعليم، يعرفون أيضاً أن جهوداً بذلت وهي جهود مشكورة ومقدرة ومحترمة؛ منها مثلاً في قطاع التعليم العام زيادة أطقم الهيئات التدريسية والتوسع الواضح في التعيين، وتغييرات في المناهج، وتطوير لأنظمة الانضباط السلوكي، وتوسع في برامج التدريب، ورفع لأجور العاملين في سلك التدريس جاءت مع حزمة توحيد جداول الرواتب، ومن ذلك أيضاً دراسة دقيقة ومهمة قام بها البنك الدولي عن وضع التعليم في السلطنة باعتباره طريقاً نحو المستقبل؛ وفي التعليم العالي كان التغيير الأبرز هو التوسع الكبير في برامج الابتعاث الخارجي والداخلي وتحسين أوضاع الطلاب المبتعثين وربما غير ذلك مما يدركه من هم داخل مؤسسات التعليم أكثر منّا.

كل ما أشرت إليه سبب ارتياحاً ولا شك وصنع انفراجات في مسارات كانت متأزمة، وهذا أمر لا يسعنا إلا أن نحييه مع جهود مجلس التعليم الذي يؤول إليه اليوم صنع السياسات العليا للتعليم والذي كان آخر قراراته المهمة إعادة فتح برنامج التأهيل التربوي في جامعة السلطان قابوس الذي أغلق من سنوات غير قليلة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ونحن بصدد "ندوة التعليم في سلطنة عمان، الطريق إلى المستقبل" هل نجحت كل تلك الإجراءات في صناعة انطلاقة جديدة، وهل هذا هو التقييم الشامل والمراجعة التي نحتاجها ووجه بها جلالته مرتين في خطابين متتاليين، والتي هي عدتنا لمواجهة تحديات المستقبل؟

في تقدير الكثيرين أنّ المراجعة والتقييم الشامل لابد أن تفضي إلى بث روح جديدة، ولابد أن تكشف أولاً كل ما حدث في المرحلة الماضية من سياسات أوصلت التعليم إلى حالته الراهنة، حتى لا نعالج مشكلات الماضي بذات الأدوات التي تسببت في صناعتها، ومن الواضح أن التعليم في وطننا يحتاج إلى ما نسميه بــ "عودة الروح"، إذ إنّ مؤشرات غياب هذه الروح واضحة في ضعف الثقة بين أركان العملية التعليمية ذاتها، وبينها وبين المجتمع من جهة أخرى، وكذلك في فقدان الدافعية وانخفاض الجودة الذي تؤكده الاختبارات العالمية TIMSS في العلوم والرياضيات، وكذلك في بقاء بعض الأسئلة التي كشفت عنها هذه الاختبارات دون إجابة مقنعة، ونستنتجه كذلك من الهجرة المتزايدة نحو التعليم الخاص، ومن تراجع جامعاتنا المستمر في قوائم الجودة العالمية، ومن يطالع دراسة البنك الدولي حول التعليم في السلطنة يتبين له أنّ ما أشارت إليه من مشكلات وعقد لم يكن خافياً على أحد، ولا كان يحتاج لكبير جهد لتحديد أسباب التأزيم ومواضعه، بل بعضه نصت عليه دراسات ومؤتمرات سابقة، ولكننا دخلنا في حالة غريبة من التجاهل والنكران تعاظمت معه هذه المشكلات لتكلفنا غالياً من جودة تعليمنا، ومن الثقة به، ومن العلاقة بين أركانه.

وندوة التعليم في السلطنة توجه اليوم جهدها المشكور إلى محاور مهمة تتعلق بدراسة واقع التعليم وتقويمه، وفلسفة التعليم، وتشريعات التعليم، والتخطيط الاستراتيجي للتعليم، وهي قضايا تقع غالباً في إطار السياسات العليا الإستراتيجية التي هي مهمة مجلس التعليم، ولا شك أنّها ستسهم في ما نرجوه من "عودة الروح" وبناء الثقة ورفع الدافعية التي لا تزال بعيدة عن المأمول، ولكن قدرة هذه الندوة على تحقيق ذلك عبر مخرجاتها سيكون رهناً بأمرين نرجو أن تضعهما في حسبانها؛ أولهما في مقرراتها التي لابد أن تتّجه للتنفيذ أسوة بما حدث مثلاً في "ندوة دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة"، فغير بعيد عن علم المتابعين أنّ هذه الندوة ليست الأولى التي تحمل هذا الاسم أو قريباً منه، والميدان التعليمي في حاجة ماسة اليوم إلى كل الإشارات الإيجابية بأن ما تقرره الندوات سيذهب إلى التطبيق العاجل؛ وثانيهما في معالجة الراهن واليومي المتعلق بالقرارات والإجراءات وليس بالسياسات العليا، وهذا ما نأمل أن يعتني به محور "دراسة واقع التعليم وتقويمه" إذ من غير المجدي أن نركز على السياسات العليا ذات المدى الزمني البعيد بينما تتعاظم فجوة الثقة ويخبو وهج الرغبة في التطوير داخل المؤسسات التعليمية نتيجة بقاء بعض السياسات السابقة، والنظام التعليمي يقف على رأسه اليوم جهاز مهم قادر على تحويل التوصيات إلى قرارات ملزمة لكل مؤسسات التعليم، فمجلس التعليم جهاز وضع للسياسات وللإشراف على تنفيذها كما هو معلوم، وفجوة التنظير والتطبيق لم يعد لها ما يبررها اليوم مع وجود هذا الجهاز.

وإذا كان التخطيط الاستراتيجي للتعليم الذي ستعتني به الندوة سيتجه حتماً إلى المواءمة مع الرؤية الوطنية للتنمية 2040م التي هي قيد الإعداد، فإنّ علينا أن ننتبه إلى أن السنوات التي تسبق ذلك هي سنوات مهمة وفاصلة، ووضع رؤى وسياسات عملية خاصة بها أمر في غاية الضرورة، وهذا ما نبهت إليه "ندوة السياسات الاجتماعية" التي نظمها المجلس الأعلى للتخطيط في ديسمبر 2013م، من ضرورة إعطاء هذه السنوات التي تسبق الرؤية 2040 حقها من التخطيط والتركيز، فالمشكلات لا تنتظر التخطيط بعيد المدى، والمتغيرات المتسارعة تفرض على المخططين ديناميكية ومرونة عالية لمواجهتها قبل أن تتعاظم، وتعرقل تطبيق الاستراتيجيات العليا القادمة.

يرى بعض خبراء التربية أنّ الموارد المالية والوفرة وسهولة اتخاذ القرار ليست السر في نجاح الأنظمة التعليمية طالما كانت الوجهة غائبة، ويبرهنون على ذلك بأنّ الأنظمة التعليمة لبعض دول الجوار هي في وفرة من الموارد وسهولة التوجيه والقرار نظراً لصغر هذه الأنظمة وتوفر الإمكانات لها، ولكن نظام التعليم فيها رغم ذلك لا يزال يراوح مكانه ويراكم تجارب الفشل؛ فهل ندرك نحن أنّ السر يكمن في "عودة الروح"؟ والروح التي أعنيها هي ذات الروح التي انتشلت عمان من مجتمع الجهالة والتخلف في السبعينيات وأنقذت مجتمعاً بأسره، إنّها روح "سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل شجرة" هذه الروح الوثابة التي نفتقدها اليوم مع توفر المباني المدرسية والجامعية الحديثة ومراكز مصادر التعلم والبوابات الإلكترونية..إلخ.


إنّ علينا جميعاً أن نفكر في استعادة هذه الروح فهي ليست أقوالاً مرسلة ولا شعارات نتهرب بها من مواجهة الواقع، بل هي الوصفة الحقيقية لقصة نجاح التعليم، ولا شك أن المسؤول عن بثها وإشاعتها قبل أيّ أحد هم القيادات التعليمية سواء تلك التي تمسك دفة القرار أو من هم قريبون من الميدان، وهؤلاء لابد أن يكونوا تربويين يؤمنون بقضية التعليم في وطنهم قبل أن يكونوا أدوات بيروقراطية لتنفيذ السياسات، وهؤلاء هم الذين يقع عليهم عبء صناعة الجسور وردم فجوات الثقة وبناء الدافعية واستعادة الروح.
يذكر الناس من قصيدة شوقي الشهيرة بيتاً واحداً طوّف الدنيا وحده دون سواه:
قم   للمعلم   وفّه   التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
وهو وسام يستحقه المعلم بجدارة ضمانتها المسؤولية، لكن القصيدة فيها بيت آخر لعله يصف هؤلاء الذي نأملهم لاستعادة الروح:
إنّ الذي جعل الحقيقة علقماً
لم يُخلِ من أهل الحقيقة جيلا